25أبريل

على سفحك العالي تنام القصائد

                   على سفحكَ العالي تنام القصائدُ                                                    إلى الشاعر الخالد سعيد عقل

                                                               بقلم عمر شبلي

تحوَّلْ، وصِرْ شعراً، وغـَيـِّرْ وجودَنـا     بشعركَ، إنّ الشعرَ من طبعهِ السِحْرُ

أتصْمتُ؟ ماذا يترك البوْحُ في الصدى   وماذا يقولُ العطرُ لو ذبـُلَ الزهرُ

وأيُّ خريفٍ يجعل العمرَ يانعــــــــاً      إذا جفَّ كرْمُ العمرِ وامتنعَ العصرُ

فمن جارة الوادي صدى الشعرِ قال:لا   وأنتَ كعطر الوردِ شيمته النشر

وهلْ تهرمُ الأشعارُ والريحُ بعضُها      ومزمارُ “داودٍ” وتلك المها السمْرُ

سرقتَ من الوادي هديراً وصغتـَهُ    هديلاً شَجيـّاً، إنما الشاعرُ النهرُ

وزحلةُ كأسُ الشعر، والخمرُ أنتما      فما جفَّ في حلـْقٍ لشاربهـا سُكـْرُ

وتروي لنا الأجسادُ قصةَ حَوْرِهــا     فيا من رأى حَوْراً، وقد أُسْدِلَ الشَعْرُ

فقلْ يا أخاها أيُّ وجدٍ غوى بنـــــا     أأنتَ أم الوادي الكليمُ أم الحَوْرُ !!؟

تقاسمْتَ قولَ الشعرِ أنتَ وزحلةٌ     حبيبان من بَوْحـَيْهـمـا الشعـرُ والنثـر

ومن “عبقرَ” المملوءِ شعراً تسلّلتْ    لواديكَ جـِنٌّ، قيلَ: في زحلةٍ قـَرُّوا !!؟

تجرُّ القوافي من نواصي حِرانها  إلى عرسها، في العرسِ يُسْتـَحْسَنُِ الجَرُّ

فدعْ كلّ كرْمٍ ليس يسقيكَ روحـَهُ      ودعْ كلَّ شعرٍ لايضيءُ به الشعــرُ

وتلك العناقيدُ التي طابَ عصرُها      تباهيك في شَرْبٍ، ويبقى لك الأمرُ[i]

وأغريتَ “صنـِّينَ”، السماءُ قريـبــةٌ     فكان لها خصراً، ويحلــــو لك الهَصْرُ

إذا النهرُ أعطى ثم أعطـَيْتَ مثلـــه    تساءلَ قمحُ السهلِ أيـُّكمـا النهـــــرُ

تمـرُّ على الأشعـار، وهـي يتيمـــــةٌ     وتغزو بـلادَ الشعــرِ فتـْكتـُكَ البِـِكــــْرُ

وسَعْقـَلـْتَ لبنانــاً، فأيُّ أريكـةٍ    عليها جلوسٌ أنت والشعر والدهرُ!!! [ii]

أخا كلِّ غصنٍ “قلَّ همّاً” بأرضنــــا     لماذا استقال الشعرُ، وانهزمَ الفكرُ

“مررْتَ ببالي اليومَ“أسرقُ جمرةً   أ”سيزيفُ” سَرّاقٌ؟ لمن سُرِقَ الجمرُ؟

كأنّك في “صِنـّيــنَ” نسرٌ محلـِّقٌ      جناحـاهُ يمتدّانِ، والنجمــةُ الوَكــْــرُ

يغاويهِ إيماضٌ على كـــلِّ شاهــقٍ     بــه يستبدُّ الفوْقُ والنظرُ الشزْرُ

وعاصفـْتَ أفقاً لم تخفْ من بروقـهِ     وكيف يخافُ الأفـْقَ والقمـَّةَ النسرُ

وأنكرتَ شعــــراً دون أرضٍ عَصِيَّةٍ     يحاولُها الباغي فيخذلُـــه النصرُ

أتدري لمَ الرايـاتُ ذلـَّتْ ونـُكـِّستْ      وأقفر في أرحامنـــــــا الرجلُ الحرُّ

هـُزِمنا لأن الأرضَ ظلـّتْ سبيـّــةً      وكان من الأشعار عسكرُنا المـَجْرُ

ترجـَّلَ عن تاريخنا المجدُ وانتحى    وقد يـُنتـَخى قبرٌ ولا يـُنتخى قصـرُ

بلا خيلِ سيفِ الدولةِ الشعرُ ما دنا   من المتنبي. هكذا يُكـتـَبُ الشعـرُ

لنا وطنٌ يحتلـُّــه الأرزُ وحــــــــدَه       وأيُّ احتـــــــــلالٍ آخرٍ دربُه وعرُ

وألبستَ لبنان الإزارَ الذي غــلا       فصارت علــى الأيام تحسدُه الأُزْرُ

فلا حبنا يفنى ولا أنــت تنتهي       كلانا به نارٌ يؤجـِّجهـــــا الكِبـْرُ

معاناتنا سوَّتْ رؤانا عنيـــــدةً       فعشْنا كما شاءَ الذي بيتـُه الصدرُ

وكانت لنا نارٌ، وللنارِ أغصُنٌ        إذا اشتدَّ فيها اللفحُ فالغصنُ يخضرُّ

وفي مثل هذي النار صُغنا نقاءنا     وما صدَّنا عن نشر أحلامنا البحرُ

هنا أقوياءٌ نحن، إنّ قلوبنـــــا    دروعٌ لهـــــا عن كل ناقصةٍ سِترُ

على النور نبقى أو على الموتِ شُرَّعاً  وفي الموتِ نورٌ ليس يُبصرُه الكفرُ

فكن لانهائيّاً كما كنتَ واحــــــداً     يحدُّكَ مثلَ الوردةِ الروضُ والعطرُ

غفرنا لك السفحَ الذي لا تحبـــُّـه    فمن خطأ القمّات لا يـُطلـَبَ العذرُ

أغانيكَ كانت في فؤادي عبادةً  “كلامُك زهر الجمرِ لو يزهرُ الجمرُ”[iv]

إذا مدُنٌ غرقـى تشبَّثَ أهلهـا      بما ينقـذ الإنسانَ فالـمنـقــذُ الشعـــرُ

هو الشعرُ روحُ الكون،والنارُ في”طُوى” إليها سعى موسى وصاحبُه الخِضرُ

ولـيست مـغـالاةً نـوافـجُ صُـرَّةٍ[v]      تبـوح بما يخفيــهِ من عشبـه القـفـْرُ

وما الحرفُ إلا ظلُّ وجدان حائــرٍ      ويزدادُ بوْحاً كلمــــــــا أوغلَ السرُّ

سَباني من الضوءِ اختفاءُ جهاتـهِ        وأدركتُ أنّ السرَّ فيه هو الجهـــرُ

تفرَّدتُ في حزني وجرحي ولهفتي    أنا شارعٌ، أضواؤه الحزن والقهـــرُ

جِماحاً عبرناها، وكلُّ كبيـــــرةٍ       تمرُّ بنا من صبــــــــرنا ينفدُ الصبرُ

تشيبُ النواصي، والأماني فتيـّةٌ      ولولا الأماني أيُّ شيءٍ هو العمرُ!!

نجوع إلى الدنيا ونعلم أننـــا       طعامٌ لها ،والجوعُ من خبزهِ القبــرُ

عصَرْنا العناقيدَ، احتسَيْنا رحيقهـا       وبعد الرحيق اجتاحنا الهاجسُ المرُّ

وبي منك ما بالسهلِ سهلِ بقاعنا       إلى غيمةٍ خضراءَ، تـَهْطالـُهــا ثـَرُّ

كبرتُ وقلبي فارغٌ من حطامهـــــــــا       فأرخصُ ما عندي لوامعُها الصُفـْرُ

وعانيتُ فقراً، والغنى كان دونــه       يحدِّقُ في فقري فيهزمُه الفقــــرُ

ولو كان لي غير الحنيـن وسادةٌ       إلى جسد الدنيا لَخـَلـْخلـَني الهجـرُ

رأيتُ حسيناً دون رأسٍ، ولم تزلْ   تسائلني روحي:هل انتصرَ”الشِمْرُ”؟

وما صاحبتني غيــر حريتي إلى    مغاليق سجنٍ كان يشبهـــه القبـرُ

تقصّفت القضبانُ من عصف لهفتي   تحررتُ حتى راح يحسدُنـــي الأسرُ

أنا من بلادٍ ما أثمـْتُ بحقـِّهـــا        ولم يثنـِني عن حبـِّها الزمنُ الوعرُ

وهاجمَني ليلٌ فـ”طاعنتُ خيلــه”     بخنجر ضوءٍ من معادنه الفجْــــرُ

وما نضبت أشواقُ روحي على السُرى   فما جفَّ كِبْرٌ كان يحملـه حـُرُّ

وأخطرُ خصمٍ واجهته بطولتي        عيونٌ بدا فيهــا  التوسُّلُ والذعـــرُ

تعلّمتُ منك الشعرَ يستلهمُ الرؤى    فينزاحُ عن صحرائيَ الحـَرُّ والقـَرُّ

وحطـّمتُ أقفاصي بقوةِ جانحــي        فكلُّ جدارٍ حيــن تصعدُه قعـْرُ

وأيقظَ قلبــــي للصلاةِ تسامــحٌ         تـَعانـَقُ فيـه المجدليّةُ والطـُهْرُ

طعامٌ من الأحزان يكفيك خبـزُه     إذا ما استقال الحقدُ وانهزمَ الشرُّ

سعيدُ، وهل هذي البلادُ سعيدةٌ     وفي كلِّ ظلٍّ من شوارعهـا “شِمْرُ”

وحاولتََ، لكنْ أيُّ معنى لموطـنٍ       تمزَّقَ حتى أنّ أسماءَه كـُثــــْرُ

لقد مزَّقتنا يا سعيدُ مذاهـــــــبٌ       وقد ضجَّ من تعدادنا الرقمُ الصِفرُ

سعيدُ، تعالَ الآن، واكتبْ لنا الذي    بـه يبدأُ الإنسانُ والوطنُ الحـُــــرُّ

تشرين الأول/2012

*****

   الأعمدة السبعة 

                                 إلى العمود السابع في قلعة بعلبك

                                الشاعر الخالد خليل مطران                    

                                                  عمر شبلي

لبعلبــكَّ ستبـــقى قلعتـــانِ همــا      برغمِ أنفِ الزمان الشعرُ والحجـرُ

خليلُ، مثلَ إله الشمسِ كنتَ بهـــا      كلاكمـا شامــخٌ، والمـوتُ منعـفِـرُ

قالوا: بها ستةٌ تعلو فقلـتُ لهـم:    عيني رأتْ سبعةً، هل  يُخطئ النظرُ؟

وقيلَ: شعرُك يوماً طافَ قلعَتَـهــا     فناولتْكَ الخلـــودَ الستَّـــةُ الأُخَــــرُ

يا بعلَبكُّ وعمــْـرُ الأرض يُختَـصَرُ     وأنـتِ كالشمسِ لا تنـتـابُــكِ الغِـيـَرُ

لا ترهبي الموتَ، قد شادتْكِ آلهـةٌ      فالموتُ يأتي على ما يبتني البشرُ

وأحضروا الشمس خلَّوْها بها ومضوْا     وظلَّ بعلُ وظلَّ الدهرُ والحجـــرُ

لو كان صانعَها الأزميــلُ ما نطقت      بعض الحجارة تبكي وهي تنحــفـــرُ

تكلّمــــي، إنَّ للأحجــارِ ألسنةً       والشاهدان عليهــــا الشمس  والقمرُ

يظلُّ صوتُ خليـــــلٍ في هياكلها       من بعد طول النــــوى يعلو وينتشرُ

فإيهِ آثــارَها ردي السلام فما       يغيبُ من قلبَـــــــــــــه في أهلهِ يذَرُ

*****

يا بعلبــكُّ وهذا الشرقُ ما برحـتْ  فيه النبوَّةُ من يوضاسَ تعتـــذرُ

خمرُ المسيحِ بـ “قانا” كيف نشربُــهـا   مع الألى من جَنى أعمارِنا سكروا

عرفتُ كيف يُعالي الطودَ منحـــدرُ         وكيــف تقنعُ بالمستنقع الحُــفَرُ

نيلٌ يئنُّ، ويبكي الماءُ في بردى         وفي الفراتِ دمُ التاريــخِ ينهمرُ

فراتُ ماذا تقول الضفَّتـان إذا         بكى النخيلُ وجنحُ الصقر منكسرُ

خليل من ألف عامٍ يستبدُّ بنـــا   نيـْرونُ لكـنه يبـــــدو ويستترُ

ونحن نعرفُه جهراً ونعبـــــــدهُ         هو الإلهُ ومنه النفـــعُ والضررُ

لطول ما انحدرَ الإنسانُ فيــه غدا         كأنه حجــرٌ أعمى لـــه بصرُ

كأنّ ربَّــــكَ لم يخلقْ عباقرةً         سواهمُ، فهـــمُ الحُكّــــامُ والقــدرُ

من موتهم قام أهلُ الكهفِ وانتبهــوا    لكنَّ حُكّــامَنا موتى وما قُبِـروا

ما بال أرحامنا كالأرض قاحلــةً         أين الفحولــــــةُ والإخصابُ يا مطرُ

نريدُ خبزاً وأحلاماً وأجوبــــــةً         عن كلِّ ما سرقوا منّــــا وما غدروا

نريـــــــدُ عمرَو بنَ كــلــومٍ يحرِّضنا      على الملوك، وبعض الشعرِ مزدجَرُ

فأيُّ نهــــــرٍ لنا ما كان  من دمِنا     له روافدُ، فاسألْ يُنـْــــْبِــــكَ الشجرُ

يظلُّ وجهُكَ مثلَ النهر يا وطنـــي         ينظِّفُ الأرضَ منهمْ كلما فجَــرو

جعنا لرؤيةِ سيفٍ راح يُشهَرُ والـــْـــــــــ فوسفورُ كان على بغداد ينهمرُ

نحتاجُ في المتنبي سيفَ دولتـهِ    فالشعرُ من دونِ سيفِ الدولةِ الخدَرُ

نحتاجُ غيرَ الذين استعمروا دمَنا        قوماً إذا حكموا أوطانَهمْ عمَـــــروا

ولا مؤلفةً يوماً قلوبُـــهمُ        حتى إذا الرِدّةُ استدْعتْهمُ كفـــــــروا

عامُ “الرمادةِ” لم يقطعْ سواعــــدَنا  وكم ظمئْنا، ولـــــــم يشمتْ بنا مطرُ

من راح يلبسُ ثوبــاً ليس يشبهُهُ     بــدا كمن يتعرَّى وهـــــــو يستترُ

* ****

يا قلبُ، صبراً وإنْ غالتْكَ أقبيــةٌ      قنديلُ ليلِـــكَ هَــــــمٌّ، زيتُه العُمُرُ

وما عليك إذا لم تخب جذوتــــه      يبـكي الغمـــام وفي أحداقــه الشررُ

لمّا تزلْ تقحَمُ الأسوارَ أسئلتــي       ولم أزلْ بهمومِ المجدِ أفتخـــــــرُ

وأرتدي عينَ زرقاءِ اليمامــةِ في       ليــــلي، وأبصرُ ما لا يُبصِرُ النظرُ

حنا الظـــلامُ على جرحي فضَمَّدَهُ    جرحُ الكريــــمِ عن الأضواءِ يستترُ

وفي الظلام ضيــاءٌ ليس يُبصرُهُ        إلاّ الذي بظلامِ الناسِ يأتـــــــــزِرُ

قلبي الذي جفَّ لم تنضبْ عروبتُـــه        إنَّ العروبـــةَ في صحرائهِ نَهَرُ

لي إخوةٌ عبروا الدنيا، وما برحـــوا        وقد يكون من الموتى الألـى حضروا

همُ المقيمون بي لم يبرحوا أبـداً        لأنهمْ فوق دربِ القلبِ قد عبــروا

ترفّقي يا أمانيهمْ بِخَيْلِـــــهمُ        إنَّ الدروبَ العذارى، خيلُــــها الخطَرُ

حزنتُ كالمجدِ لمّا خيلُـهمْ عثرتْ        وهمْ على عزَّةٍ في سيـرِهم عثروا

إن كنتَ لم تَحْمِ نصراً أنت مُحْرِزُهُ    بعدَ انتصارِكَ كان الخاسرَ الظفـــــــرُ

*****

وعدْتُ وحدي لسيدوري لأسألَـها        وليس عنـدي مجاذيفٌ ولا دُسُرُ

حاولْتُ في الحان دفعَ الموتِ عن جسدي قالتْ تأدّبْ وهاكِ المـوتَ يا بشرُ

ولن تكون إلهاً بين آلهـــةٍ        فكـنْ إن اسطعتَ إنسانـاً له وطر

يا شارعَ العمرِ كم أغريْتـنا بمَدىً        ويكذبُ الفانيـــانِ، الدربُ والعمُرُ

ألم تقلْ: إن ليــلى العامريّةَ قد    جاءت وقيساً على التــــــــوباد ينتظر

ألم تعدْنا بما لم تُعطِهِ أبـــــــداً        وربما لو منحتَ انتابَنــــــــــا الضجرُ

أغلى أمانيكَ ما لم تُعْطَهُ أبـداً        تغنى بمـــقــــدار ما للشيء تفتـقرُ

خليلُ، نحن على خيلٍ تسيرُ بنــا         ويمتطينا إلى غاياتنا القدرُ

بنيْتُ “أوروكَ” كان الطينُ من جسدي  صعدْتُ للسور كان الخالدَ الحجــــرُ

 ــ الشَرْب: المجتمعون على الشراب[i]

 ــ سعقلتَ: تركيب مزجي من سعيد عقل[ii]

 في الأساطير اليونانية: سيزيف سرق النار من جبال الأولمب، وكانت ملكاً لكبير الآلهة”زوس”[iii]

فعاقبه بحمل الصخرة إلى الجلجلة، فكانت الصخرة تسقط عن كاهله كلما شارف القمة، فيعود لحملها

في عذاب أبدي لا ينتهي.

 ــ هذا شطر لسعيد عقل من قصيدة قالها في شولوخوف بمناسبة نيله جائزة نوبل[iv]

 ــ النوافج جمع نافجة :وعاء المسك[v]

عمر شبلي 20/4/2016

4أبريل

قطع من لحم ينمو

قطعٌ من لحمٍ  ينمو من جديد

مشكلة الجسد  وفاؤه  الجسد وفاؤه

ولذا لن أخلع صاحبي

 

غرغرة الحبال 

        *****                              

لو كنتُ أنـّا الحلاجَ لقلتُ لمشنقتي

لن أُشْنـَقَ قبل صلاة  الفجر،

ولن أتنازل عن عنقي

حتى تلتفَّ عليها كلّ حبال الشمسْ.

جسدي المغفور له يتدلـّى في سوق التجـّار،

وروحي كانت سافرةً

كبنفسجةٍ تتفتّح في ظلموت الرمسْ

ما كان بجبّته إلا حلمٌ من نار

وأنا أخشى أن أعبد كالتجّار إل‍‍‍‍‍هاً

لا يتدخل في خبز الفقراء.

يا شمس بلادي أعمى من

لا يبصر في الظلماء دموع المظلومين

ويصبُّ دماء قسيم الجنّةِ في

كأسٍ من نار

وكتبتُ نشيداً تقرؤه أفواهُ معاولِ “دير زنون”

ورأيت بلادي تنبت بين النار وبين النار

وتلبسُ أجملَ عاصفةٍ

نسَجَ “الباروكُ” غلالتها، ودمُ الشهداء

وكسائر أبناء الفقراء لبست بلادي.

كان لديّ همومٌ أبعدُ من

جسدٍ تتخبّأ فيه النفس

وحلمتُ بأنّي كنت أقود رجالاً

يمتهنون الفوضى تحت شعار

من يملكْ حقَّ التدليك على جسدي

لا يسألْ مشنقتي عن سعر الرأسْ

وصرخت أمام الجثـّة يا أبناء عمومتنا

ألأرضُ لنا

والماء لنا

فلماذا ليستْ تبرحُ هذي الخيلُ مرابضَها

ولماذا لا نتوضأ بالنفط العربيّ أمام النار

ونعبد ربّاً لا يتقاسمُه الحلفاء؟!

* * *

2 _ البدء

ما كان لدينا غير رغيف الخبز كتابٌ نقرؤه،

ودمُ الأطفال المذعورين من القصف اليوميِّ

لعاصمة الرؤيا “بيروت”.

وبدأنا يا وطني لا نؤمن إلاّ بالفوضى.

وبدأنا تحت  القصف نؤسس عاصمةً

لا يسكنها إلا الفقراء، وأبناء الفقراء

وأمام عيون إله النفط رفضنا

أن نتحدَّث عن أسعار الخبز

وقلنا: يظهر في الصحراء نبيٌّ

يعلن بدء النار، ويعلن بدء الماء

* * *

3 ـ ترنيمة

وطني يا أجملَ سكّينٍ

وشغاف القلبِ لها غمدُ

أدري من يحملْ سكّيناً

في الأسر يصادرها الجندُ

أخذوها صارت قنديلاً

في الليل فتيلتُه القيدُ

وأمام جدار السجن غدا

عصفوراً في قفصٍ يشدو

* * *

4ـ      الخالدون

أبطالاً كانوا تحت الشمس،

وكانوا فوق الجسر خماصاً يتّجهون

إلى “طيبة ”

وبنادقهم كانت في “برغزَ” أجمل من

لعب الأطفال.

وبجوف الظلمةِ يتّجهون جنوباً مثل النهر

وتبتدئ الرؤيا

ويؤذِّنُ ديك العرش أمام جنائزهم

ويكون العشق هو القتّال

ضَفـَرتْ إكليلاً ” بنتُ جبيلَ” لهم

وهضاب ” كفر شوبا”

والآن نحدّثهم عنهم أو عنّا يا وطني

لا فرق لأنّا لا ندري

من منّا يرثي من

لو أنّ عروق الليطاني نطقت يوماً

عن نرجس تلك الأرض

عرفنا كيف يصير الأحمرُ أبيض،

كيف يصيرُ الجرح هلالْ

والثورة أجمل ما فيها

تحويل السيف إلى قلمِ

* * *

5 ـإكليل لامرأة مقتولة

قـَتـَلتْ فرحي امرأةٌ

لا أندمُ حين أقايضها عنقي

بضميمة ورد

ولأنّا يا أختاهُ أمام جدار الموت تلاقيْنا

وقرأنا فوقَ مقابر موتانا

آيات الرعدْ

أمروني أنْ أتصعْلـَكَ ثانيةً

فلبستُ دمي

وعددتُ سيوف قبيلتنا

لكنّي لم أبصرْ في المحنة سيفاً خارج غمدْ

يا عروةُ يا ابنَ الوردِ تصعلـَكْ,

إنّ لنا دمنا,ولهم دمهم

والنخلُ سيأكلـُهُ الجوعى

وسيظهرُ في الآفاق غمامٌ يتّفق الأعرابُ على

تفسير أجنّتهِ

وستنقلع الأوتادُ بعاصفةٍ حمراءَ

ويظهر في الصحراء شواظٌ

تشبهها خوذات الجندْ

يا امرأةً تحيا من فرحي

وتكون يداها إكليلي

عنقي يعطيني سرَّ الورد

وأعطي الوردَ تفاصيلي

* * *

6 ـ     أطفال قدماء

من أجمل منديلٍ يا نورسَ هذا البحر تقدَّمْ

إنّ همومي عالية، وبلادي أقربُ

من جسدي

ذاتَ امرأة  أبصرت بقرب النهر طيوراً

تحمل ناراً، ثمَّ تحوّلها سحباً خضراء

ومراكبَ من ورقٍ

يبنيها أطفالٌ قدماء

لم أقدرْ أن أتخلّصَ من أعناق الناس

على ميناء يدي.

وقرأت مقاطع من حجر الياقوتِ على بيروت،

وكنت أحدّثني عني

وأرصِّع مجذافي بمحار”الأوزاعي”

وأفضّ غيوماً عن بلدي

يا صنو دمي

ألوقت مساء

وأخاف إذا اشتعلت أحزاني

ألاّ يقرأها الفقراء

في ثغرك فأفأة الطير المطرودة

من أحراش “كفر شوبا”

وأنا لا أملك أيّ سماء

أعطاني ثغرُك ألف بنفسجةٍ

فلممتُ دثار الموتِ عن الزبدِ

والليل رداء

هل تعلمُ يا هذا الحوذيُّ، لماذا لسنا نخلع

حين نغادر هذي الأرضَ أحبّتنا

ولماذا تبقى رائحة الأوطان على الجسدِ

هل تعلم يا هذا الشرطيّ لماذا

لست أفرّق بين التاج وبين حذاء

ما أقتل اسئلة الوطن المذبوح

على صدر امرأةٍ عزلاء

هذا فرحٌ كالماء يغطـّيني,

وأنا أتلظّى تحت الماء,

وجمجمتي مازالت تصنع أطفالاً قدماء

* * *

7 ـ       وحدي جداً

في الليل أفكُّ الماسَ عن الأحجار

وأرصّع كرسيّاً لحطامٍ

من فخّار

مجدٌ لا يبلغُهُ عنقي

ونواطير الليل المسحورون أمامي

وحدي جدّاً في هذا الليل

أقلّبُ حزني فوق دمٍ مسجورْ

وأحاولُ جهدي يا وطني

أن أخرجَ  قلبي من تنّور.

يا هذا الوجه الآتي من لبنان

أقسمت عليك بحنْوات “الليطاني”

أن تتقدّم واخلعْ أسئلة الأحباب

لئلاّ تذبحني بقساوتها.

وقطار “برندك” أخّرني عن نوم الصبح

وأخاف إذا امتلأتْ

بالناس محطّتهُ

أن تذهبَ فيه وتتركني للقيد،

وجرجرة المأمور

من غيرُك ينقذني من هذا الحزن، ومن يتعهّدُ

لفَّ الجرحْ.

ألحارس يمشي فوق دمي

بحذاءٍ لا أعرف ماذا أدعوهُ؟

حذاءً؟ قبّعة؟ شرطياً؟ طيناً أعبدهُ؟

والرُّز بحكمتهِ أبعدُ من سور الصين.

خمسون دماً عبرتْ،

وأنا لا أحمل غير صليبي في

هذا الشرق المملوء عيوناً من لهب

ورماداً في زمن الإعصار

في الليل أحاول أن أنسى

أسئلة الحارس والجاسوس و”أرشد” “زيرزمين”

وبصمتٍ أرسم فوق جدار السجن حروفاً

تعني أنت وتعني يا سمراءُ أنا

وبحجم الباب تصير سمائي

ثم أمزّقها كفنا كفنا

* * *

8 ـ الحقَ أقول لكم

ألحقّ أقول لكمْ

أعناق الريح ستحملني،

وعلى عينيْكِ سألقي أسئلةً،

كانت تلقيها الريح على فـَرَسي،

وسيمنعنا تعب الأيّام من العتبِ

المسجور أمام النار.

وسنجلس بعد النار أمام الحزن بلا حَرَس .

لا أعرف ماذا ينتظر الشبّاكُ لكي يغفو،

من أين يصير الطين بنفسجةً للنار

ويغدو ثغرُكِ جزءاً من نـَفـَسي؟

ورغاب الأمس تراب الرمس

وماء الأمس  سراب اليوم

لذلك نحن بلا قـَبـَسِ

شطآنكِ ليست موحشةً

وأنا صدري ما عاد فسيحاً مثل الأمس،

فتلك الأرضُ تغادرني جبلاً جبلاً

ومجاذيفي تتكسّر في بدني

ما عادت إلاّ بوصلة حمراءُ تقود إلى الوطنِ

أعني لو أنّا في صمتٍ نتهادى قلبيْنا

حتى نتخلّص من دمنا الوثني.

يا طين المنفى لا تتفسّح إنّ هوانا مسألةٌ

لا تحتمل التأويل،

ونحن أمام البحر سنعلن بدْء مدينتنا

وغياب النورس لا يعني

أن يطغى البحرُ على البحَّارْ.

لن تعرى يا صدري فالحبُّ دثارْ

وستعلن سنبلةٌ للفجر

لماذا جرح الأرض يضمّدها

ولماذا لا يحصدها المنجل حتّى

يتّحدا في أغنيةٍ

يرويها النورج للمسمار

لا أخطئ حين أسَمِّي السيف ضماداً

إنّ بلادي عاشقةٌ من نارْ

أعرفت لماذا لم نجرؤ أن نعلنَ موت البحر

وتحطيمَ السفن

لم أدرِ رداءكِ أم وطني

يتقدّم صوبي تحت الليل ويأمرني

بمغادرة الكفنِ

* * *

9 ـ      روزنامة بلا أرقام

سنواتٍ في “آراكَ” قضيْنا

نعبد ثلجاً لا يفنى

وجنوداً منهزمين، وبعضَ سماسرة اللحم البشريّ،

وتدري يا وطني أحجارك أنت

هي الكعبة.

ولأنّ الصخرة خلف الباب حفظتُ

صلاتك في الغربة.

وقرأتُ على حجر التاريخ الفصلَ الأوّلَ

من سورةِ جوعي

وخلعتُ جميع المتَّهمين بشمس الشرق ،

وأعلنت الفوضى،

وأخذتُ كتابي من وطني

بيميني في زمن الفوضى، أعني بيساري

ثم غدا فردوسي ناراً ملتهبة

هل تسمح يا ابن أبي جوع أن أمسح حقدي

تحت الليل بأسنان الذئبة

هل يلبسني درويشٌ كان يحبّ الناس،

ويجمع أرواح الموتى

أمْ أنّ ردائي تنسجُهُ

امرأةٌ حمراءُ بلا قلب،

في ثدييْها نارٌ من طول تمرّسِها

بسدانةِ أبناء الفقراء،

وفي دمها تتكوّن عاصفةٌ

يتلظـّى الشرقُ إذا اشتعلتْ

وتُرَمـِّد ناقلةً للنفط على

مرمى نهديْها المنطفئين

من أيِّ غمام  مسروقٍ يتناسل هذا البرق

وبأيِّ بريدٍ يا وطني

أرسل حزني في الليل إليك

وأنتَ الدرويشُ المُتجوِّلُ في

هذا الوطن العربيِّ، وقتلاك الجبّة

هذا الوطن العربيُّ سيعلنُهُ الفقراء

ويحتفلون بمولدِهِ

وبيوم الزينةِ سوف يجيء صبيٌّ

منهمرٌ من أقصى الكون

بلا ثوبٍ إلا الرؤيا

ويفكّ طلاسمَ كلِّ المسحورينَ بأعمدة القبّةْ

* * *

10 ـ       عرائش الحزن

في العيد تعرّش فوق دمي صُوَرُ الأطفالْ،

وعصافيرُ الوطن المنفيّة،

وهي تلمُّ حواصلَها،

والأرض غلالْ،

وتلوح قبور الأهل، ولا زوّار لها

وأقبّلها حجراً حجراً

ويهبُّ حنينٌ من وطني، ويقول تعالْ

يا عيدُ متى ينكسر القيدُ، ويعلنُ ربُّ السجن لوجهي

أنّ الشمس على الأقفالْ

أنبيكِ بلادي أنّي من عشر

لم أسمع أغنية  خضراء

لا أقربَ من بيروت بهذا الليل إلى عينيّ

سوى بيروت، وأمسح عن جسدي

أحزان شوارعها

كانت بيروت هي العنقاء، وكنّا نشعلها

في الليل إذا اختلف الأعراب على الأنفال

وطني يا مشرق هذا الحزن ومغربه.

حزني حزن الصفصاف على أنهارك،

والأطيار مهاجرةٌ

والمسؤولون عن الحزن اليوميِّ قد اعترفوا

قافلة الروح تظلُّ تلوح على

أجنحةِ النورس والسفنِ.

يا قاتلُ، يا وطني،

سكّينُكَ أجمل من عنقي،

وأنا لا أملك حقّ الموت

على أبراج مدينتنا

ولأنّ الميّت ليس يشمُّ عبير الوردة

تحت القبرْ

ولأنّ الموتى لا تتفتّح في الأعياد مقابرهم

لمقابلة الأحياء

كنّا نتجمّع حول مشاعرنا

ونُفَتِّقُ أمنية رتقاء

* * *

تتقدّم تحت الليل مراكبُ صاخبةٌ

وحمولتها أحجارُ نيازكَ مطفأةٍ

وبقايا من جثث شوهاء

وبحزن  نرسو قبلَ بلوغ مدينتنا

ونقايض بعض جماجمنا

في الشطِّ بجاريةٍ سوداء

وقبيلَ مدينتهم

يتقدَّم بعض القومِ

وبصمت مقهورٍ يحكون لنا

أنتم في مقبرة هي أوسع من صحراء

وبلادٍ تزرع زهر النومْ

*    *  *

11 ـ العمر رهان

شُمِّي جسدي، فالخيل تشمُّ فوارسها

في زمن القتل، وتصهل حتى يمتلئ الوادي

بدموع الخيلْ.

ألشمس تسيل على جرحي،

والطعنة أوسعُ من منديلك يا ليلى،

وأنا لا أحتمل التأويلَ بهذا الجرح،

ولا أتنازل عن هلهولةِ جارتنا

وشقائقها الحمراء.

شُمِّي جسدي، فالحزن محاولةٌ

للنيل من الشهداء

وطني يا أجمل بستانٍ في الدنيا

أحرقه الفقراء لأجل قيامةِ صاحبهمْ

وحماية طيرٍ قد طرِدتْ من كل سماءْ

أصفادُكَ سوف تصير غصوناً

حين تغرِّدُ ثانية عصفورة “وادي التيم”،

والخيل ستلمع في ” حرمونَ” سنابكُها

يغريها البرق بعشب في جبل

يتصالح فيه دمي والغيم.

شُمِّي جسدي ما زالت رائحة “النيلوفر” فيه

ونرجس “جبْ جنّين”.

أتحدَّثُ عنك الآن لأن الضوء ضروريٌّ جداً

في هذا الليل،

وكلُّ سحاب ليس يمرُّ على وطني

هو وجهٌ للصحراء.

قد كان لنا جبل ترويهِ الريحُ لكلِّ ملوك الجنّ

فتعشقه مرجانة  بنتُ البحر، وتعلنه

أرضٌ لسماء

ورأيت أميراً أو قمراً، قد صاغ  أريكتَهُ ذهباً

جبلُ الصّوانْ

وطني لن يصبح جرحك آنية لنبيذ موائدهمْ

سنضمّده برموش العين ونجعله

حرزاً لأمانينا

ستؤوبُ الطيرُ على أصوات معاولنا

ويصير ثرانا سجّاداً،

حمراءُ شقائقـُهُ اصطبغتْ بدم النعمان

ذاتَ الألواح،

أقلـَعَتِ الريحُ إلى لبنان فخلـّينا

يا أختُ مدينتُنا سطعتْ

وأنا تجتاح عروقي رائحة التفّاح

ألبحر يقول: هنا لبنان

والريح تقول: هنا لبنان

والقلب يقول: هنا لبنان

والقبر يقول: هنا لبنان

لبنان، لبنان، لا شيءَ سوى لبنان

شُمِّي جسدي، فالروح بنفسجة،

والعمرُ رهانْ

قصر فيروزيه – 1992

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1

 

 

4أبريل

الهموم الكبيرة ليس تعار

 

 

الهموم الكـبيـرة ليسـت تـعـار

 

لست أدري لماذا تأّخرتَ يا قمري ،

هاهي الساعة،النجمة، الآن،تلفظ أنفاسها

في رمادي،وأنت على غيرعادتك اخترتَ

نوماً طويلاً

وتعرف أنّا على موعدٍ.

ثمّ ‘إنيّ حجزت لك الدمع حتّى تمرَّ عليَّ،

وتخبرني: أين صاروا؟

لقد تركوني على أول الدمع.

كنت ألوِّحُ حيناً بقلبي،وحيناً بمنديلها،

غير أنَّ الهموم الكبيرة ليستْ تُعارُ.

ثمّ لمّا استويتُ على الحزن غادرني وجهها,

وحدها الريحُ، في جعبتي،والحنين غبارُ

ثمّ إنّي فرشتُ لها القلبَ تحت النجوم

لتسهر عندي ،ولكنّها أطفأتْ نارها

ليس عندي سوى نجمةٍ

أمسِ خبّأتها في ردائي

أخاف إذا عرفتْ أمّها

أن تعدّ أصابعَ محبوبتي في المساءِ

*      *       *

مثلما تعلن العين ألوانها، وهي طفلةْ

مثلما تجرح الأرضَ سنبلةُ لتصيرَ رغيفاً

مثلما يعرف الدربُ خطوَ المحبّين دون عناء

هكذا كنت من حبّها، كلّما جئت باباً

يطارحني الناس أوصافها

إنّها من بنات النخيل،إذا خطرتْ

تشرب البيدُ لفحَ هجيرتهامن ضلوعي،

وتصيرالبساتينُ عاشقةً،

كان في مقلتي مرفأٌ للنساءِ

كان عندي مفاتيحُ قلبٍ قديم

كنت ضيّعتُها يومَ راحوا

على درب أسئلتي ودموعي

سوف تنمو على صفحة القلب زنبقةٌ

كان منديلها مثلها،

بيننا الآن آسيةٌ كلّها،

غير أنّي أحدّثُ أجنحتي بالرجوع

*      *     *

بعد طهرانَ ساعدني الآخرون على حمل قلبي

صحتُ في لهفةٍ أتركوني أموت على خطوةٍ

من مزاجي

هكذا قيل في زمن الحرب:إن الذين يروحون لايرجعون.

تعبت من النوم وحدي على

باب صحراءَ من تعبٍ ودموع.

إنّ نهراً يصبّ بقلبي أحدّد منبعه،

كان جرحي يطاردني،فعرفت هنالك أنيّ

أسير إلى وطني دون بوصلةٍ،والمياه التي

لاتفارق عينيك تنبع من جبلٍ

إسمه القلبُ،كنت أردّدُ أغنيةً

لأبي كان يذرفها كلمّا راح في سفرةٍ

حاملاً جوعنا في يديه،

وأحزاننا في قواربِ عينيه،

ليس الذي بيننا مرفأً للبكاء،

وهذا الذي ينقل الأرضَ مابيننا

ليس باخرةً في رصيف السماء

عندما كان وجهكِ تحت المساء لحافي

حكيت لعينيكِ أحلى الحكايا،

وقلت: إذا مرّت الريح في بابنا لاتخافي

*    *      *

إن زيتونةَ الدار فيها عروقي ومائي

مرفأ القلب أوسع من كلّ هذا البكاء

تجيء إليه النوارس بعد غيابٍ طويل

لترتاح من تعب البحر،

إني ملأت لها تعبي بالحكايا

تعبي كان طفلا، وكان يعذّبني

كان يخرم من شَبَك القلب، ثمّ

يمرّ على كل بحّارة الليل، يسألهم

عن موانيءَ مجهولةٍ، وقبائلَ ما خطرتْ

في دماء الزنوج

هل أقول وداعا لهذا التعب؟

وهل يصبح الآن وجهك بعد الرياح خليجي

لقد تعبت سفني من حوار المجاذيفِ

هذا جنوني أسرّحه الآنَ من خدمة القلب،

أغمس كلّ المجاذيف في الرّمل، ألغي مواعيدَ

جاهزةً للهبوب

غير أني أخاف إذا نجمةٌ

ضحكت في جوار المشيب

ثم قالت لأترابها جسدي قاربٌ، والمساء حبيبي

أخيّة،ماذا يقول الرماد إذا سألوه عن النار

إنّ القناديل  ليست زجاجاً يضيء

ولكنّها لهفة  في ضلوع قرانا

تشعّ على نفقٍ

مستحيلٍ ، يسمّى الحياة

سلامٌ على النار كانت لنا جنّةً لا تموت

إذا سألوك لماذا انطفأنا على عجلٍ

لا تجيبي

آراك- 1984

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1

 

 

10مارس

من أقوالي

IMG_1870

 

1ــ معاً نعيش ولكن عندما نموت يموت كلٌّ منا وحده
2 ـ مرَّ خمسون عاماً وما كان في سجننا العربي سوى الأنبياء
وبعض اللصوص، وتهمتهم أنهم سرقوا النار للفقراء.
3 ــ على الموتى أشنُّ الحرب.
4 ــ ما زلتُ أشربها إلى أن أصبحت روحاً تنازعني مكانة روحي
5 ــ وللدمع بعض صفات الشتاء
6 ــ ولم الرحيل إذا السفينة لم تر الميناء إلا في السماء
7 ــ في الليل كنت أنشج بصوت عال حتى يسمعني وطني
8 ــ أقول ما يخطر على قلبي
9 ــ عندما يفتكر الإنسان بالدنيا سيدري
أنما أول هذا العمر آخرْ
10 ــ دعني أتألم على طريقتي
11 ــ ردَّ البقاعَ إليَّ لستُ مسافراً إلاّ إذا كان البقاع ثيابي
12 ــ أنا حين يلفحني السراب يلذُّ لي ألاّ أكونَ على تخوم الماءِ
13 ــ رأس فارغ وجيبة ممتلئة.
14 ــ كان تشددي في المواقف يخفي ضعفاً مذهلاً
15 ــ كنت أحياناً في ساعات مكاشفة داخلية لرفض كل ما مارسته، وبخاصة عندما
أسمع نشيج الحارس الليلي تحت الثلج وهو يبكي أخاه الذي مات في جبهات القتال
الأسر أعطاني قوة مذهلة لرؤية أخطائي والانحياز للإنسان المظلوم أينما كان
16 ــ يتقدم القتلى وفوق نعوشهم وطن يلف بآخر الأيتامِ
17 ــ وتظلّ وحدك باحثاً عن جذوةٍ في الثلج تحت مدينة من نار
ويظل قلبي كالمسيح مطارداً ويقيم بين الجذع والمسمارِ
18 ــ أنا لا أريد النارَ تعبد موقدي أبداً ولا أبكي بغير دموعي
19 ــ زوجتي تتمنى لي قبراً مسلماً
20 ــ لماذ اكنت أتذكر أهلي بحدة حين تأتي الريح من جهة الغرب ، هل هم قادمون فيها.
21 ــ أكمل سيرك باتجاه الموت وكأنك ذاهب إلى الحياة.
22 ــ هل نحن مثل الآخرين لنا وطن !!!
فإذن لماذا لانزال على الطريق!!!
23 ـــ قد كان وجهك صالحاً يوم العواصف للعبور.
24 ــ أنا وزنزانتي سدّ وطوفانُ
25 ــ رصاصة مؤمنة إلى جسد ظالم
26 ــ تصبحين شفةْ
عندما يتحول ثغري لثغرك في قبلة ملحفةْ
27 ــ إلى الفجر يأتون من كل ليل عميق

*****

1 ــ فمن أخصب الدمعَ بعدَ جفاف السنين؟!!!
2 ــ ألا يا حمامَ الصويري القديم
لماذا على شجر العمر ما عدت تبدو؟!!
وكنت تحوم على سطح قلبي،
وتهدل حتى الصباح

*****
30 ــ ما أصعب أن تتيقن أنه ليس هناك شيء في نهارك غير انتظار المساء.
31 ــ حين تكون وحدك في الصحراء،عليك البحث عن الينابيع والزمن وآثار القوافل.
32 ــ الغربة موت الأحلام فقط.
34 ــ حين تفتقد الحبيبة لايبقى لك إلا الحديث عنها.
35 ــ كان جسدي والمكان في صراع عجيب رغم رفقتهما عشرين سنة في الأسر.
37 ــ لم يضعوني وحدي في الزنزانة وإنما احتجزوا الزمن أيضاً.ومن هنا
بدأت مشكلتي الحقيقية.إن اعتقال الزمن جعل المستقبل غير موجود. ولذلك كنت
منهمكاً بفتح الباب عبر الأحلام وحدها لأصنع الزمن.
38 ــ الأوراق تجوع أيضاً، وأحياناً تتقيأ ما يكتب عليها.
39 ــ فيا للنار هل تـطفـَأ بالنار؟ !!!
40 ــ وكنت أحاول أن أسرق وطناً لألبسه وأسكن فيه.
ويوقظني في الصباح ليبصر أشياءه في عيوني/
أتركوني على فسحةٍ أتأمل جرحي/
46 ــ أموت قرب جسدي/ وفي تخوم اللحظة المشتعلة.
47 ــ عندما لايكون الله فينا لايكون/
48 ــ وكانوا يجلبون له الحنانا/.

54 ــ لو كان عندي حزن آخر لأمرتُ دموعي بالهجرة إليه.
56 ــ ليس عندي قصورٌ سوى ما تهدَّمَ في داخلي/
57 ــ كشفتَ سرَّ دمائي أيها القلمُ
فلا ….

تلفني بالسياسي أيها العلمُ
59 ـــ وكنت أحاول أن أقرأ العاصفة.
62 ــ يموت بها الراعي وتبقى البهائم
.
65 ـــ وأصنع ألف مملكةٍ،
بلا “بلوتو” بلا “أوديب”
لا الليسبوس تحكمها ولا “السيكلوب”
74 ــ فكأنما أعمارنا كانت تسير إلى الوراء.
75 ــ
أوَتدركين بأننا متلاصقان إلى حدود الامِّحاء/
تدرين كيف يظلُّ هذا الغيمُ يشعلُ ما بصدري من بروق/
ويظل يسكب روحه/
هذا السنا في مقلتيّ ولا أفيق/
وأظلُّ أتهم المساءَ بأنه يأتي بكل الغائبين/
وأصير مزدحماً بهم، لايبرحون إلى الصباح/
يا جنة خلف المواسم لم يطأها بعدُ قلبي/
كان فرضاً أن نلمَّ الحزن عنها
حين يقتلها الملائكة العصاة/
ونظل نخصف ما نشاء من الحكايا
خلف موقدنا القديم/
ونقول حيَّ على الشتاء/
وبرغم كل الفقر كنا أغنياء./
ــ خالق يعبد مخلوقاته/
78 ــ في دمائي إشارات ضوئية
الآن بعد الطين تدرك ناري
ما دار بين يسوع والمسمارِ
80 ــ هناك علاقة بين الليل والدموع يحددها القلب.
81 ــ كان الاحتفاظ بنقاء الروح يحتاج إلى عذاب الجسد
وكان الوصول إلى الله يحتاج للمرور على أعتى الشياطين.
82 ــ لم أكن أطلب الموتَ كمتسوِّل ، وإنما كمتكبرٍ على الحياة.
83 ــ كنت في الليل أتمتع بحريتي تماماً ، أعني كنت أستطيع أن أبكي
وأن أحلم، وأن أصبح عارياً أمام أشواقي المستعرة،وكانت تظهر على
وجهي بوضوح أمام الحرس.
84 ــ كنت كطفل يبني من الحجارة أحلاماً ويهدمها.
85 ــ لشدة هول ما مررت به ، تعلمت من خوفي ألا أنظر
إلى الوراء أبداً.
86 ــ لقد أخذت الزنزانة مني الكثير فصارت تشبهني.
87 ــ كنت كقصبة الناي المملوءة بالألحان ، فقط تنتظر شفتين
يلقنهما الداخل بحدة وحنين.
88 ــ إن التذكر والأحلام والحفر على جدران الذات
في الأزمنة الصعبة تعني هدم العالم وإعادة بنائه .
89 ــ في الزنزانة كنت التلميذ والمعلم. وأحياناً أستمع للحارس
الليلي وهويغني لسنندج مدينته البعيدة.
91 ــ كنت أضيء مصباح ذاتي على وهج دموعي .
92 ــ بدويٌّ يزجر الحقد إلى الخيمة من بيت لبيت.
93 ــ ياقارئي ، إهبط إلى داخلي، فذلك قد يساعدك على الصعود.
94 ــ الخلاص حين تعتقد أن الخلاص قادم إليك.
97 ــ كنت اتخذت قراراً شجاعاً: سوف لن أموت هناك. فالمعذبون بما
فيهم من شحنات حادة ومتفجرة يشاركون الله في صنع مصيرهم.

100 ـ تدري لماذا يا رفيقي لا نموت على الطريق؟!!!
لأنه ما زال في دمنا وطنْ.
102 ــ كانت التعاسة أعمق المرايا المقعرة في داخلي،
وكنت أحاول أن أستسيغ هذا الواقع كتدريب نهائي على
قبول العدمية التي بدأت تأتي مع كل ذرة وجود تتحرك فيّ وصرت أؤمن “أن الأبدية ليست امتدادا للزمن بل انعدامه”
103 ــ تجيء إليَّ في المنفى بلادي
فتلغي قصة الدمع العنيدِ
وأفتح للقاءِ المرِّ صدري
وتدخل رغم قضبان الحديد
104 ــ حين تيأس من الخارج تعود إلى الداخل مفكراً بصنع معجزة. وحدها ممكنة الحدوث .
105 ــ الحب من أشد الحالات حضوراً في زمن الكآبة، حين يُحتل الجسد يخرج الحب شاهراً سيفه ومدافعاً عن الطينة الأخيرة.وكانت تنمو تحت جلدي عوالم بلا نهايات.
106 ــ كان الوهم دواء ناجعاً، وحده يكون قادراً على إخراجك من الزنزانة إلى المكان الذي تريده، وإلى حضن المرأة التي تريدها، وحده لايأبه بالحارس  ومسؤول الاستخبارت المتجهم باستمرار.
107 ــ لشدة يأسي صار المستقبل عندي هو الماضي، أما الآتي فلا يأتي إلاّ على شكل حبل مشنقة، أوبيجامة صفراء وكيس يوضع في رأسك قبل صلاة الفجر إلى حيث ينتهي كل شيء. ومع ذلك فقد كان الحلم يمنعني من الانتحار.ولم أكن عقيماً للحظة واحدة.كنت اقتحم قلاعاً لم يترك فيها الغزاة مُدافِعاً واحداً . كنت أصير الراية والحصان والمقتحم بكل قوة ضعفي.
108 ــ للكآبة كالسوائل لزوجةٌ حادة مرة كلعلقم ، تحول بين بلعومك وابتلاع اللقمة . حتى اللقمة لا تتجرأ على الدخول إلى ظلموتي.
109 ــ كان في قلبي مساحات شاسعة لرعاة قدامى.كانت عواصف دماوند تفتش في داخلي عن مخابئ لها وللوحوش التي تطاردها العواصف وثلوج دماوند.
110 ـ كان المجاهدون الأوائل يدخلون في جمجمتي لتبرير المكان.
111 ـ كنت أحياناً أحس أن السجان يريد أن ينسجن عني.
112 ـ مخطئٌ من يسأل الذي يبكي لماذا تبكي، لأن الدموع أوضح من اللغة ذاتها.إنها الجواب الواضح على الأسئلة الأبدية،الحلم، الحرية،أشياء الوطن الحميمة، المرأة،الرحيل الدائم في نسغ الأشياء.
113 ـ كانت العواصف تجأر في الخارج وفي داخلي أيضاً
114 ـ كنت ممتلئاً بروح الكون، ولذلك لايستطيع أحد قتلي.
إن المحكوم بالموت إذا استطاع التدخل في ترتيب أحاسيسه
قد يضع الخوف في المناطق الخلفية من برية الروح ،وقد يتقدم
إلى الموت بعد أن يقتل الموت في داخله،وبمعنى آخر إذا تسامى
بكونيـَّته يصبح الموت خادماً لجسده،ويصبح الموت أليفاً بل
وحميماً كالحياة نفسها، وأخاف أن أكون مبالغاً إذا
قلت:يصبح حلماً،إنها تجربة عميقة لدخول المخلوق في الخالق.
116 ـ كان هناك حضور خاص للحبيبة .
117 ــ الحياة تكون مبتذلة حين لا تتجدد بالحرائق.واليوم الذي لا
تمرُّ فيه بحادثة صعبة ستنساه حتماً،بمعنى أنك كنت ميتاً
فيه.

119 ــ مئة متر بيني وبين الأسرى في آراك ، ولكنني قضيت عشر سنوات حتى قطعت تلك المسافة.
120 ــ كان الحارس الكردي من ” سنندج”، وكان حين يغني ليلاً في الممر بين الزنازين يجبرني على أن أشرب غناءه ، كان غناؤه كثيفاً جداً، وصرت أؤمن بأن الموتى يبكون أيضا. كان صوته يخفت حين يكلم حبيبته،وأحياناً كان في صوته عواصف كردستان وهوية “جاف والكوران”. كان الغناء يساعده على التخلص من البرد ،وكان عبر الغناء يستعيد عافيته الداخلية،
تعرفت إلى حرّاس فقراء، كانت اغانيهم تعبيراً عن انتمائهم لأشياء الحياة الثمينة الحزن والحب والأم والحلم والعودة إلى الينابيع الأولى للفكر الإنساني.

124 ـ عاندتُ حتى حديدَ السجنِ فانحفرتْ
عليه أسماءُ من كانوا بأعماقي
ورحتُ أرثي لمن ماتوا بلا ألمٍ
ولم يلاقوا بدربٍ أيَّ إخفاقِ
مشانق الشرق لم تجرأْ على عنقي
لأنــه كان منذوراً لأعناقِ
سكبتُ حزني على الدنيا فأسكرها
وكان من خمرها سمِّي وترياقي
****
125 ـ في المفاوضات التي جرت بين قلبينا اتقفنا على تمديد حبنا
عمرين قادمين
126 ـ أي طيرٍ جاثمٍ بيني وبين العاصفة
127ـ جثث لقصائد
ــللذي كان في صدره فسحة للصوص وللانبياء
للذي لاينام بلا سيفه ويقيم سرادقه فوق عرش الدماء
كان في صدره جمرةٌ كان يقتلنا دون سيف ونعشقه
لقد غسل الروح من ظلمة
واستدار على عرشه لامعا كالسماء
سقفه لم يكن سقفه
2 ــ المتشنج غالباً ما يكون ضعيفاً
3 ـ لا يرى الحرية إلا من ضيعها وضيع اسمه والزمن معها.
2 ــ المتشنج غالباً ما يكون ضعيفاً
3 ـــ لا يعرف غاية الحياة إلا الموتى
حدثهمُ ,أو هات جرحك دامياً
ولقد يقول الجرح دون لسانِ
ــ هل ينفع الموتى الحشيش الأخضر؟

128 ـ عندما فاوضوني لأخلع حزني /
لبستُ بلاداً ممزقةً،
شعرتُ بدفءٍ حزين كثوبي القديم./
كنت في جنةٍ طُرِد اللهُ منها/
.

133 ــ أنا حين يشعلني السرابُ يلذُّ لي
ألا أكونَ على تخوم الماءِ
134 ــ دعني أتألم على طريقتي.
135 ــ على حافة الجسدتنظر الروح إلى سجنها وقد تركت فيه
أزمنة شتّى، وصارت خارج بشريتها
136 ــ أريد كتاباً يقرؤني.
137 ــ يتقدّمُ الموتى وفوق نعوشهم
وطنٌ يُلَفُّ بأجملِ الأيتامِ
138 ـ لا ينضب المرءُ إلاّ في حالة الامتلاءِ
فلا تلمْهُ شهيداً فإنه ذو اشتهاءِ
فلن ترانيَ إلا في حالة الامِّحاءِ
140 ــ كنت أحلم بحدة لو أن مصيري يظل مجهولاً لكثرة تفكيري
بحكم الإعدام الذي صدر بحقي.
141 ــ كانت مكاشفاتي الداخلية تشجعني على الاعتراف بأخطائي/
ومع الأيام صارت المكاشفة أستاذي المفضل. وكان ذلك يمنحني
مقاومة عجيبة.
142 ــ صرت أدرك أنني كنت قد قاتلت ضد إنسانيتي، وبخاصة عندما أسمع أغاني الجنود الفقراء الذين قتل أحباؤهم في الحرب.
143 ــ وكنتيجة للصمت الذي فرض علي صارت كلماتي أشد نفاذاً
144 ــ كان جسدي ضحية نجاحي الشخصي.
145 ـ في الليل كنت أبكي بصوتٍ عالٍ.
146 ـ كنت في الزنزانة أشعر أحياناً أنني كالبرعم الذي يخفي عطره في طياته المغلقة.
147 ــ أن تعلم ما تخبئ لك الأقدار يعني أن تفقد القابلية والشهية لاستمرارك في الحياة.هكذا علمتني تجربة السجن الانفرادي، لقد كنت يائساً تماماً من خروجي من الانفرادي في اللحظات الداكنة التي تجلبب كل شيء بسوادها، وقتها كنت أدرك عياناً أن اليوم الذي سيأتي يشبه اليوم الذي مضى،وهذا قتل شهيتي للحياة التي كنت أود لو تلفُّ أيام الانفرادي لفاً لأرى ماذا وراءها.كان خروجي من الانفرادي يوازي عودتي للبنان.كنت تماماً أشعر بالحرية التي تنطرني على باب الزنزانة ربما بسعادة أكثر من عودتي للبنان، ربما لأن الزنزانة لم تكن أكثر من قبر،والخروج منه يعني العودة للحياة بكل ما فيها من أحوا
151 ــ ولطول المسير فوق جراحي
أصبح الدربُ معجباً بحذائي
152 ــ أي معنى لحب بغير هزيمة!!!
153 ــ أي معنى لساقية لا يصير الحصى مثلها ساقياً
154 ــ هنا ترقد الأمنيات الدوامي التي هرمت من مزاحمة الحائط.
155 ــ فلنترفع عن سجال المهزومين
156 ــ عندما بيروت تبكي
يدرك القاتل ما معنى البكاء
161 ـ كنت أمام القساة أحتمي بحزني، وكانت قوة هذا الحزن مغذية
،وكنت أشعر أن الحزن أقوى من الكبرياء
162 ــ الناس تنهض عندما يأتي النهار
وأنت وحدك مثل مسمارٍ على طرف الجدار
يتناوبون على حراسة قهرك العربيِّ من كل الجهات،
من السماء إلى الحمار
163 ــ وسألت الشيخ عنها
قال فوراً :
إنها من أمر ربي.
لم يحلَّ اللغزَ قولُ الشيخ، وازدادت غموضا
164 ــ ودخلت في دمها أفتِّشُ عن دمي متداخلاً كالموت في الأحياءِ
167 ــ وصرنا نتقي جرحاً بجرحٍ
168 ــ وكلنا يوم عيد الأمِّ أطفالُ
170 ــ أنا والصمت كنا نتبادل الالتفاف حول الشجرة
171 ــ عند الشعوب المتخلفة الوهم وحده هو المقدس
172 ــ أنا لا أمارس الأذان في الخابية
173 ــ أحب الذي لا يتكرر أبداً
174 ــ كلما أبصرت حبل مشنقةٍ تذكرت عنقي
176 ــ وطن نصفُ رعاياه يتامى/وطن أوضح ما فيه الدماء/ والينابيع الدموع
وطن يبحث عن أبنائه عند العدو/.
178 ــ ولكلِّ محصول هنالك بيدر
179 ــ إذا ما استمر المنجم يملؤنا بالوباء
فليس لنا غير هذا التراب لندفن فيه السماء
180 ــ ……… أبي تبجح بالرؤيا ولم يصبِ
يوماً على ثبج الأمواج أقعدني
وقال للبحر خذه  فهو بعدُ صبي
………. ورحت أكبر بين النار والحطبِ
لم يبق من جسدي إلاّ هشاشته
وما تساقط فوق القبر من شهبِ
181 ــ وأنا أضمد بالجراح جراحي
182 ــ من الشبهات تحمينا الجراح

 

6مارس

الطريق من غوانتانامو إلى “أبو غريب”/عمر شبلي

مناقشة وتوقع كتاب “الطريق من غوانتانامو إلى أبو غريب” للأستاذ عمر شبلي
في إطار الحملة الأهلية لنصرة فلسطين والعراق أقام المنتدى القومي العربي ندوة حول كتاب “الطريق من غوانتانامو إلى أبو غريب” للأستاذ عمر شبلي في قاعة المحاضرات العامة – قصر الاونيسكو حضرها الأستاذ معن بشور أمين عام المؤتمر القومي العربي النائبان السابقان بشارة مرهج ود. عبد المجيد الرافعي، ممثل قائد الجيش العقيد جهاد دكروب، منسق الشبكة العراقية لحقوق الإنسان د. عبد الحسين شعبان، وأعضاء مجلس أمناء المنتدى القومي ، وأعضاء لجنة المتابعة للحملة الأهلية النصرة فلسطين والعراق، وأعضاء اللجنة الوطنية للدفاع عن الأسرى والمعتقلين في فلسطين والعراق، بالإضافة إلى ممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية، اللجان الوطنية لنصرة العراق وفلسطين، المؤتمر الشعبي اللبناني، حزب رزكاري الكردي اللبناني وتجمع اللجان والروابط الشعبية، كما أرسل رئيس الجمهورية باقة من الورد.
افتتحت الندوة بالنشيد الوطني اللبناني ثم بالوقوف دقيقة صمت إجلالا لأرواح الشهداء، بعدها افتتح الندوة د. هاني سليمان رئيس لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في المنتدى القومي العربي الذي أشار إلى أهمية انعقاد هذه الندوة في هذا الظرف بالذات حيث تتكشف كل يوم حقيقة مزاعم الإدارة الأمريكية وحلفائها بالحرص على الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ونوه سليمان بالجهد التوثيقي الكبير الذي قام به المؤلف عمر شبلي حيث جمع بين كونه شاعرا ومقاتلا في سبيل الحرية وكلا الصفتين يتمناهما كل إنسان فكيف بمن جمعهما معا.
المجذوب
رئيس المنتدى القومي العربي الدكتور محمد المجذوب قال يسّر المنتدى القومي العربي أن يحتفل معكم بولادة انتاج فكري زاخر بالنفحات والمشاعر القومية والإنسانية وحافل بالمعلومات والوثائق الدامغة التي تشكل إدانة صريحة لدولة يزعم رئيسها انه ظلّ العناية الإلهية على الأرض، وانه ينفّذ أمر السماء، وان رب العباد اختاره ليكون أمام الهداية والإصلاح وتصنيف البشر إلى أخيار وأشرار.
وأضاف المجذوب: صاحب الإنتاج الفكري الذي نحتفي به اليوم هو زميلنا في المنتدى القومي، الأخ والشاعر القومي عمر شبلي، الذي فضل أن يتحفنا بنثر يقرأه المؤمنون من العباد، لا بشعر يستسيغه الغاوون في كل واد.
وتحدث المجذوب عن زاويتين ينطلق منهما أهمية الكتاب: الأولى تتعلق بشخصية المؤلف بأنه يؤمن كما نؤمن بان العروبة الحضارية هي الرابطة المقدسة التي تضم كل العرب، وهي العقيدة السامية التي تتخطى حدود العصبية والعرقية، وتتجاوز معالم الطائفية والطبقية، وهي المحرك القادر على إثارة الحمية وتجنيد الطاقات والتصدي للتحديات الخارجية والآفات الداخلية.
والزاوية الثانية هي أنها تضفي الأهمية والروعة على كتاب الشاعر عمر شبلي فتتعلق بما ينطوي عليه الكتاب من وثائق مثقلة بالفضائح وأساليب في التعذيب لم يسجل التاريخ مثيلا لها.
وخلص المجذوب بعد قراءة الكتاب إلى 9 انطباعات أهمها:
1 – أقامت الولايات المتحدة بالإضافة إلى سجن أبو غريب عشرات السجون في أنحاء العالم وزجت فيها الناس دون محاكمة،
2 – إن السياسيين والمفكرين والصحافيين الشرفاء الناقمين على تصرفات الإدارة الأمريكية هم الذين نشروا الوثائق والفضائح،
3 – إقرار هيئات التحقيق الأمريكية الرسمية وفروع الصليب الأحمر الدولي ومؤسسات المجتمع المدني بأن ما بين 70 و90 % من المعتقلين في العراق هم أبرياء وأن عدد المعتقلين في العراق وأفغانستان 150 ألف معتقل ويتعرضون للتعذيب ليل نهار،
4 – تعذيب المعتقلين تمت بأوامر عليا من المسؤولين الكبار وعلى رأسهم بوش ووزراؤه،
5 – عدم معاملة المعتقلين على أساس اتفاقيات جنيف الخاصة بمعاملة الأسرى والمدنيين خلال النزاعات المسلحة،
6 – أن كل الذين قاموا بعمليات التعذيب كانوا ينفذون الجرائم بحرية مطلقة،
7 – الإدارة الأمريكية لا تعاقب مواطنيها الذين يرتكبون جرائم ضد الآخرين،
8 – الإعمال الاجرامية التي ترتكبها سلطات العدوان في العراق وغوانتانامو تندرج تحت عنوان الجرائم الدولية،
9 – الأنظمة العربية الحاكمة لا تبدي حراكا إزاء المجازر التي ترتكب يوميا في العراق وفلسطين بل تبذل جهودا لإجهاض الانتفاضة والمقاومة.
العبد الله
المحامي ابراهيم العبد الله عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان قال لقد ناضل الإنسان طويلا من اجل الاعتراف بحقوقه الإنسانية في زمن السلم والحرب وصياغتها وإصدارها بشكل إعلانات واتفاقيات دولية ملزمة، ولا يزال يناضل من اجل بلورة المزيد منها وتكريسها والمصادقة عليها ووضعها موضع التنفيذ.
وأضاف العبد الله : القانون الإنساني الدولي جاء بمبادئ ونصوص تهدف جميعها إلى تخفيف مآسي الحرب وحماية حقوق الفرد، سواء أكان محاربا في البحر أو البر أو الجو، مدنيا عاديا أو متوقفا عن الاشتراك.
وتحدث عن المبادئ والواجبات التي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة والقرارات الصادرة عنها التي تؤكد على حق الشعوب في النضال من اجل تحرير أراضيها المحتلة بكافة الوسائل بما فيها الكفاح المسلح واعتبرت ذلك ممارسة مشروعة لحقوق الإنسان.
ثم استعرض بعض ما جاء في كتاب شبلي فقال العبد الله لقد أحسن الأخ الصديق في أن يركز على التفريق بين المقاوم وعملاء الاحتلال الذين يحاولون أن يثيروا النعرات المذهبية كمقدمة لحرب أهلية، وعلينا أن نفضح هذا الأمر وندعو إلى تجنب هذه الحرب ومن المؤسف إن الخلط بين المقاومة والإرهاب يزداد يوما فيوما بحيث أصبحنا نواجه يوميا أعمالا إرهابية تترك عشرات القتلى والجرحى من العراقيين وهذا أمر يجب الإقلاع عنه خاصة بعد أن أصبح الولاء للمذهب أهم من الولاء للوطن.
وختم العبد الله قائلا إن العراقيين غرباء عن المذهبية ولكن المحتل لا يلبث أن يثير هذا الأمر حتى يتحقق هدفه الخسيس بقيام حرب أهلية تحت غطاء الديمقراطية، وعلى القادة العراقيين التنبه لهذا الأمر ومجابهته بصورة أكثر دقة وأكثر قوة، فالحرب الأهلية هي قضاء على العراق وتشويه لمقاومته وترسيخ للاحتلال وكلها أمور خطيرة علينا تجنبها، ولا يجوز لأي كان تبريرها أو الدفاع عنها .
كرعود
الممثل الإقليمي لمنظمة العفو الدولية الأستاذ احمد كرعود بعد أن شكر المنتدى والأستاذ معن بشور تحدث عن بيروت الدور الثقافي المميز حيث لا يغيب يوم دون توقيع كتاب أو ندوة صحفية أو محاضرة أو ندوة حول كتاب.
بعد ذلك تحدث عن الكتاب وقال إن ما جاء عن أوضاع السجون من غوانتانامو إلى أبو غريب في هذا الكتاب هو القليل من الكثير وهو غيض من فيض.
ورأى أن هذا الكتاب هو عمل توثيقي من الدرجة الأولى، خاصة وأنه استقى مصادره من مصادر أمريكية ومنظمات معنية بحقوق الإنسان في الولايات المتحدة إضافة إلى تقارير صحفية وتقارير منظمة العفو الدولية.
كما أشار إلى أن الكتاب قدم فكرة واضحة حول ممارسة التعذيب والاعتقال وركز على أن أي من المعتقلين لم يقدم إلى المحكمة كما انه لم توضّح أوضاعهم القانونية، مشيرا إلى ظاهرة التعذيب لم تعد محصورة بممارسات الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في سجون غوانتانامو وابو غريب بل شملت العديد من الدول، وعلى المواطن والمقيم وهذا ما رصدته منظمة العفو الدولية منذ سنوات وفي اكثر من 60 دولة.
واشار هنا ان هذه الممارسات تجعلنا نفهم عدم قبول الولايات المتحدة الامريكية بقيام المحكمة الجنائية الدولية، بل وعملها الناجح في الضغط وشراء الذمم وعقد الاتفاقيات مع العديد من الحكومات بما فيها الحكومات العربية بما لا يسمح لهذه الدول بمحاسبة أي مسؤول او جندي امريكي امام المحكمة في الولايات المتحدة او في هذه البلدان عند ممارسة التعذيب.
وبعد ذلك رأى كرعود ان المتابع لقضايا التعذيب يرى ان ممارسته ليس مسألة فردية او بسبب عدم التدريب كما قيل، بل هي نتيجة منطقية لسياسة معتمدة من قبل الادارة الامريكية تحت عنوان “الحرب على الارهاب” وبذلك يسمح لهم اعتقال الالاف دون توضيح وضعهم القانوني ويحرمهم من كل ضمانات التحقيق وحقوق المعتقل.
وعندما تبدأ الضجة بتسريب انواع التعذيب يتم العمل على تسريب بعض هؤلاء الى بلدانهم حيث يعتقلون من جديد.
وتابع كرعود قائلا: ان هذه السياسة لها مظهر اخر وهو سن قوانين وتشريعات تحد من ممارسة حريات الافراد وهي لم تقف عند حدود الولايات المتحدة بل امتدت الى عدد كبير من الدول العربية والغربية.
كما اشار الى ان الولايات المتحدة اعطت المثل السيء مما برر للعديد من الدول بالاسراع بست قوانين ومراسيم مدنية مسّت اساسا بحرية الافراد.
بعد ذلك استعرض الاستاذ احمد كرعود لعمل منظمة العفو الدولية في العراق وتوقف عند تقاريرها عن التعذيب وذلك بعد اسابيع قليلة من احتلال العراق حيث صدرت مذكرات وارسلت الى الادارة الامريكية والرئيس جورج بوش ورأى ان المطلوب العمل على انجاز تحقيق جديد وتقديم من يثبت تورطه الى المحكمة.
واشار بعد ذلك الى موضوع هام وخطير وهو دور بعض الاطباء في التعذيب.
كما أكد أن المنظمة قد أشارت منذ سنوات إلى معتقلات سرية تستعمل في بلدان أجنبية وعربية وطالب برفع الصوت في البلدان العربية لرفض هذه المعتقلات ولرفض التعذيب ولرفض النموذج الأمريكي عندما يكون اعتداء على حقوقنا وان نعمل على إعلاء كرامة الإنسان العربي.
كرم
السفير جهاد كرم ممثلا اتحاد الحقوقيين العرب قال في هذا الكتاب نحن أمام جهد فردي كان ينبغي ان تقوم به مؤسسات عربية ودولية، معنية بحقوق الإنسان، بهدف توثيق بعضا من اكبر جرائم العصر ليكون سيفا مسلطا على كل مرتكبي مثل هذه المجازر ورادعا بوجه كل من يفكر بارتكاب مثلها في بلاده.
وأضاف كرم: اختيار الكاتب للتجربتين في غوانتانامو وأبي غريب هو محاولة للكشف عن حقيقة مروعة وهي أن جرائم التعذيب هذه ليس خطأ عند فرد أو مجموعة بل هي نهج سلوكي كامل يرتكز على احتقار عنصري بغيض تماما، كما يكشف عن ولادة نازية جديدة تغلف نفسها بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وتحدث كرم عن الجانب الإنساني للكاتب وما ورد في كتابه متوقفا بصورة خاصة أمام تعبير شبلي عن المقاومة التي أخذت على عاتقها تصحيح مسيرة التاريخ وهي أنبل مهمة يقوم بها إنسان في زمن الانهيارات الكبرى.
وحول وضوح النزعة القومية ذات البعد الإنساني قال هنا نريد أن نؤكد حقيقة واضحة أن الشعب العربي برمته وبمختلف طوائفه لا يكره الشعب الأمريكي ولا الشعوب الأخرى مهما اختلفت الثقافات والمعتقدات، ولكن الشعب العربي بمختلف فئاته وطوائفه يكره الحكومة الأمريكية لأنها ظالمة وباغية.
وعن ادانة محاولات الحكومة الأمريكية ووزارة الدفاع بالتهرب من مسؤولية الجرائم التي حصلت في سجن ابو غريب قال السياسة عند الحكومة الامريكية لا علاقة لها بالاخلاق وان محاولة وزارة الدفاع تبرئة نفسها، اذ انحت باللائمة على قيادات الجيش الامريكي قد كشفت تقارير ان الاخطاء المتكررة على اعلى المستويات في وزارة الدفاع ورئاسة الاركان والقيادة العسكرية في العراق اسهمت في ايجاد بيئة سمحت بانتهاك آدمية المعتقلين في سجن ابو غريب. وأدان تقاعس الامم المتحدة التي وفرت الغطاء القانوني للعملية العسكرية في العراق مشيدا بالتقارير التي صدرت عن مراقبة حقوق الإنسان الامريكية كما استشهد بالسيد علاء البيومي مدير الشؤون العربية لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) من فضيحة سجن أبو غريب إلى فضيحة ملجأ وزارة الداخلية مؤخرا.
وأخيرا طالب كرم بأن تهتم المؤسسات الدولية بأن يصبح الكتاب وثيقة من الوثائق التي ستقدم خلال المحاكمة التي سينظمها “اتحاد المحامين العرب” في القاهرة في الأسبوع الأول من شهر شباط القادم ضد بوش وبلير وشارون مطالبا بفتح تحقيق دولي في هذه الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال في العراق وفلسطين.
وفي الختام شكر شبلي المشاركين في الندوة والحضور ثم وقع كتابه.
________________________________________

________________________________________

6مارس

كأس من خمرة حافظ ت بقلم د سعاد الحكيم

 

IMG_5231حافظ الشيرازي بالعربية شعراً/ ترجمة عمر شبلي
بسم الله الرحمن الرحيم
رشفات صوفية من كأس شيرازية.
د. سعاد الحكيم
تلقّيت كتاب ” حافظ الشيرازي بالعربيّة شعراً ” هديّة .. لفتني رونق غلافه فتأمّلت رموز المشهد المرسوم فوجدت المرأة في محوريّة الصورة ، في نقطة دائرة الأنس والصفاء والحب والشعر على أريكة ملكيّة تحفّ بها العيون والأفئدة وأشياء الدنيا المفرحة من زهر وشجر وفاكهة وكتاب .. وقابلتني مخيّلتي بصور مجالس ملوك الدنيا المنزوعة الأنس والصفاء ويتراتب بشرها هرميّة طبقيّة قهريّة على رأسها واحد ليس وراءه ولا أمامه أحد .. وشتات في اجتماع الناس والأمم ما بين الدائرة والهرم .
وبعد وقفتي مع رمزيّة الغلاف وجماليّته أصبحت جاهزة للإبحار في قوافي الشيرازي مع شاعرنا عمر شبلي..
فتحت الكتاب وبدأت أقرأ فسقطت من حروفه في كفّي نجيمات عددتُ منها أربع وارتفع كوكب إلى السماء الدنيا يَنُور ويلمع .
أما النجيمات الأربع فهي علامات أربع تدلّ على الكتاب ، تُبديه ولا تستنفذه، وقد قدمتها على سواها نظراً لأبعادها الصوفيّة ، وهي : خلوة الأسر، العشق والجمال، رمز الخمرة ، عرفان الله . وسوف أجلّي كل نجيمة منها بسرعة وإيجاز:
1 ــ خلوة الأسر :
عجبت لأسير ــ هو عمر شبلي ـــ يهدي كتابه الذي نناقشه اليوم إلى سجّانيْه ، آمر السجن ومساعده.. وليس العجب في كون السّجان رجلاً طيّباً ولكن العجب في التماح نظر السجين لطيبة إنسان السّجان والاعتراف بإنسانيّته .. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أن وجدان شاعرنا مطبوع على جمالية صرفة أصيلة غامرة تتجلّى في علاقاتٍ مُحبّة منسجمة مع الكون المحيط مهما تفاوتت ظروفه .
هذا الانسجام وهذه المصالحة مع السجّان حولت الأسر إلى شبه خلوة تتجلّى فيها الذات لذاتها في مرآة .. والمرآة كانت شعر حافظ الشيرازي .
في الأسر قرأ شاعرنا ديوان حافظ ، وتفتّح فهمه لشعره .. وفي الأسر ترجم قصائده الأولى وخاطب بها قرّاء العربية بلسان عربي مبين .
2ــ العشق والجمال..
منذ فجر الوجود الصوفي افترق أهله في سفرهم الرّوحي على قافلتين : قافلة المجتهدين المجدّين في ميدان الرياضة والمجاهدة ، وقافلة العشاق الملتاعين المتساقطين كفراشات غذاءً لنار مقدّسة .. وفي ركب القافلة الثانية سار حافظ الشيرازي .
يقول حافظ في الديوان ( ص 101) والنص الشعري لعمر شبلي :
أنا ، عندما من نبعة العشق مـرّةً توضّأتُ كان العشقُ ديني ومعبودي
أقمتُ على الدنيا صلاة جـــنازةٍ ورحْتُ أصدُّ النفسَ عن كلّ موجــود
فها هو يتوضأ بماء العشق والنص مفتوح على العشق الإلهي .. فيصبح العشق دينه ومعبوده ، ويصبح العاشق موحّداً لا يشرك بمعشوقه ، تموت الدّنيا ــ مدخل الشرك ــ ويصلي عليها صلاة الجنازة ..
والعاشق مطيع لا إرادة له مع معشوقه ، يديم لزوم الباب ، عسى تتزحزح الأستار ويحظى بنظرة من المحبوب .. يقول ( ص 19):
تــرابُ أعتابِكمْ كــحلٌ لأعيننا فكيف عن بابكم ننأى ونبتعدُ ؟
فهاتِ أمرَكَ ، قرِّرْ ما تريد لنا وأينَ ، أينَ ســواكمْ غايةً نجدُ؟
والعاشق وإن كان لا إرادة له مع محبوبه ، إلا أنّه ملحاح دائم الطلب للوصال إن لم يكن من عين العشق فمن عين الجزاء لما يقدّم .. يقول ( ص39):
من حقِّ خدمتنا على أعتابكم أن تمنحونا بعضَ ما نبغيهِ
يا سيدي لو أنت تنظرُ مــرّةً بالعطف للعبدِ الذي تُــشقيهِ
ويذكر حقوق ثنايا المعشوق وشفاهه على العاشق ، يقول(ص63):
لــثناياكَ والشـــــفاه حــــقوقٌ حفظُها واجبٌ على الأرواح
حفظُها واجبٌ على كلِّ صدرٍ فيه حرقٌ من جــمرها اللفاح
ويربط بين العشق والحيرة في المعشوق يقول (ص 94):
أنا الذي ، قلبُهُ مستَهلـَكٌ تعِبٌ ما كنت أعرف مَن مستوطنٌ فيه!!
وعلى عادة العشاق في المبالغة يخبرنا حافظ عن فوران فيض دمعه الذي فاق طوفان نوح ومع ذلك فهو عاجز عن غسل صورة المحبوب المحفورة في لوح الصدر. يقول (ص 114):
دمعي الذي يهمي ويسكب فـيضَهُ طــوفانَ نــــوحٍ فــاق في تـهالهِ
هو عاجزٌ عن غسل صـورة ودِّكم عن لوحِ صدري المستهامَ الوالهِ
والعشق ليس علماً يستفاد من الكتب بل ذوق دونه تفتت العاشق وتحلله وفناءه، دونه هتك الوقار وتحمل الملامة بجلال، يقول (ص 186):
يا من يريدُ تعلُّمَ العشق الجـلي من دفتر العقلِ الوقورِ الأجــلـَلِ
إنّي أخاف عليك ، إنكَ عاجـزُ عن فهم معنى العشق دونَ تحلُّلِ
وتكمن الأهميّة العظمى للعشق في أنّه حال وجداني يحرر العاشق من كافة القيود ويضعه في حضرة المعشوق يقول (ص 240):
تساوى لدى العشّاق ِ في حال عشقهمْ تكيّةُ درويشٍ ومقصفُ حانِ
لأنّ سنا وجــهِ الـــحبيب إذا بـــــــدا ، يُشعشعُ بالأنوارِ كــــلَّ مكانِ
أمّا سبب العشق فهو شيء وحيد : الجمال.. والنكتة، أنّ المعشوق ليس ذاتي الجمال بل ينبع جماله من نظرة عاشقه.. في النظرة يكمن الجمال الذي هو سبب كلّ الحبّ ، يقول(ص98) :
برغم من يدّعي في العلم معرفةً وقوله: العشقُ ممنوعٌ ومحظورُ
جمالُ وجهكَ تبقى فيه حُــــجَّتُنا إنّ الـــجمالَ لأهل العشق تبريرُ
ويؤكّدُ على دور الجمال في العشق والافتتان بقصّة زليخا ويوسف ، يقول (ص23) :
بطلعة يوسفَ الــعُليا وفرطِ جمالهِ الوضـّاحْ
لقد خرجتْ زليخا من حجابِ العصمةِ الكَبَّاح
3 ــ رمز الخمرة ..
استخدم الصوفيّة معجم الخمر ، من كأس وقدح وحانة ودنان وسقي وساقٍ وشرب وسكر ومجون وخُلع غدار وغير ذلك . كما استخدموا أسماء الخمرة: صهباء، سلافة، مدامة، ابنة الكرم… وغير ذلك .
وهذه الخمريات التي بدأت في وقت مبكر على شكل مقطوعات قصيرة ونادرة ، توالت وتحوّلت إلى قصيدة طويلة في القرن السادس ــ السابع الهجري، وأصبحت موضوعاً من موضوعات الشعر الصوفي مع ابن الفارض.
فالخمر رمز لمنح المعشوق وعطاياه ، لكلّ ما يتعطف به على معشوقه .. فكلّ ما يصدر عن المعشوق يسكر العاشق : حديثه ، نظرته ، لفتته، إقباله، صدّه …
والشرب رمز الذوق ، والسكر والمجون رمز التحرّر من العلاقات السائدة والزائفة والكشف عن الذات الحقيقية العريّة عن الملصقات. يقول في انحيازه لمعجم الخمر( ص 80) :
قلْ لابنة الكرْمِ الأثيرة إنــــنا خدمٌ لها في محفل الجُلّاسِ
قد حرَّرَتْكِ من القيود جميعها أنفاسُنا فتقدَّمي في الــكأسِ
ويؤكّد سلوكه سبيل السكر ويمهره بالاغتسال بالخمر ، يقول (ص95) :
كذاكَ قلبي الـــــحزين اعتاد من دمِـــهِ تلويثَ صومعةٍ من طول ما نزفَا
بالخمر إغسلْ ــ إذا ما شئتَ ــ لي بدني فالأمرُ أمرُكَ إني أعشق الـسَرَفَا1
ويربط بين الخمرة والكشف عن الأسرار . يقول (ص101) :
ألا فاعطني خمراً فأعطيكَ خـبرةً بما في الوجود من محجَّبِ أســـرارِ
وأنبيكَ عمَّنْ وجهَهُ صرتُ عاشقاً ومَن مِنْ شذاهُ كان سكري و تَهذاري
ويضع خط الزهد في مقابل خط السكر ويرجّح الثاني، فيقول (ص 109) :
إن الذي يحسو ثـــمالة كـــأسهِ لا تنتقدْهُ لما ترى يا زاهدُ
لم نُعْطَ مذ نادى “ألست بربكم” إلّا السبيئةَ2 تـــحفةٌ يا ناقدُ
يشير حافظ هنا إلى آية الميثاق ، يقول تعالى (وإذْ أخذَ ربُّكَ منْ بني آدمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ على أنفُسِهِمْ ألسْتُ بِربِكُمْ ) . والخمرة عنده إشارة رمزية إلى الخطاب الإلهي لذراري بني آدم، والذي يختزنه كل واحد في ذاكرة الروح : عندما أشهد الله بني آدم على أنفسهم وخاطبهم “ألست بربكم” الكل سمع الخطاب ، وهذاالسّماع للخطاب أسكر العشاق ، وهو ما يحتجّ به حافظ أمام الزاهد النّاقد .
ومما يؤكد لدينا أنّ سكرحافظ مقدّس لا مدنّس ، قوله (ص47) :
كنْ منْ مريدي الله، واثملْ بــالذي هو وحدَهُ ذو الصّفحِ والـغفرانِ
مع “نوح” كانت في السّفينة طينةٌ ليست تهابُ خطورة الـــطوفانِ
وتظهر علاقة السكر يالتحرر من الملصقات والقيود ، يقول (ص87):
يظلُّ شاربُ خمرٍ،لا ريــاءَ بـه ولا نفاقَ و لا في طبعِه دجــــل
أسمى وأفضلَ ممّن لا خَلاقَ له من بائع الزّهد، إذ في طبعهِ ختَلُ
لسنا سكارى رياءٍ في تصرُّفنا ولا سكارى نفاقٍ نحن في الـحانِ
وعالمُ الغيبِ والأسرارِ شاهدنا على التّـماثل في ســـرٍّ وإعــلانِ
4ـ العرفان..عرفان الله
يقود السكر إلى هتك الأستار والكشف عن حقيقة الذات الإنسانية في العبودية .. ويظهر ارتواء حافظ من ماء الحياة في دعوته إلى دولة الدّراويش ، وتشديده على إقامة الحق وعدم الاستكبار.(ص190ـ192) :
ألا أسمى دون تـكليف عن الدولِ التي تبقى
هي الدولُ التي يُرسي الدراويشُ بها الـحقّا
****
فــيا مـــقتَدِراً أقــللْ مــكابرةً ولا تــــعتدّْ
ففي كنف الدراويشِ يكون الجاهُ والعسجدْ
****
أنا عبدٌ ومــأمورٌ لنظرةِ “آصف” الـعصرِ
له سيرةُ درويشٍ وصورةُ سيّدِ القصــــــرِ
إذا “ماءَ الحياةِ” أردْتَ يـــا “حافظُ” أن تـــجرعْ
فمن أعتابِ خــــلواتِ الـــدراويشِ هو الـــمنبعْ
لقد تجلت صوفيّة حافظ من وراء زجاج الكأس وحمرة الخمر ، يقول (ص88):
وقد أقمنا فروض اللهِ كاملةً وما أصبْنا بفعلِ السوء إنسانا
ولم نقلْ لحرامٍ حرّموهُ لـنا هذا حلالٌ، ولم نسلكْهُ مــيدانا
إن هذه الدعوة إلى دولة الدراويش تبطن نقداً للقيم السّائدة في الحقل الدينيّ بين الناس ، تحاول استعادة منظومة قيم دينية أصيلة تقرن الجوهر بالمظهر، تحفر في أرض الجسد وتعلي بنيانها في مملكة الروح .
وبعد هذه النجميات الأربع نقول ختاماً : إن الكوكب الذي ارتفع إلى السماء الدنيا ينور ويلمع هو حافظ الشيرازي في شعر عمر شبلي .. لقد افتتح عمر شبلي ميداناً جديداً للباحثين مفتوحاً على عدة قطاعات شعرية وصوفية ، عربية وفارسية .. كما فتح مجالاً لقراءات تفسيرية وتأويلية تضيف جديداً إلى مسار الشعر العربي عامةً والشعر الصوفيّ خاصةً .

3مارس

الحر بن عاصوفاء

IMG_1561

الحرُّ بنُ عاصوفاءَ في تحوّلات
العاصفة!!!

كانت تجاعيد الصخور في تلك الجبال الشاهقة،والأودية السحيقة تشبه وجوه البشر،ووجوهَ الحيوانات،كنت أقول في ذاتي:إنّ هذه التجاعيد الصخرية كانت يوماً لحماً بشرياً،وكانت ذات أحلام،وهاهي تقول لي:أنظرْ إلى مآلي لتدرك حالك وحالي. كنت أراقبها بوجعِ الباحث عن صيرورة أخرى لهذا الجسد الذي ينقلونه من معتقلٍ إلى آخر،وأنا أسيرٌ في إيران،كانت الأودية السحيقة،والقمم العالية تُلهبُ خيالي،وتفتح كُوى روحي لكل التحوُّلات الجُوّانية،وللمصير الذي سيحيلني يوماً ما جزءاً من هذه التجاعيد الصخرية،ربما هنا،وحيث احتمال عبور هذه البلاد أشبه بعبور الجمل”من سَمِّ الخياط”وكانت تستبدُّ بي روح التاريخ الإنساني وكيف دخل الوعي في المادة .فأحسب أن تلك الوجوه الصخرية كانت مسكونة بالأرواح ذات زمن،وكانت روحي التي زهقت من هذا الجسد الحزين تودُّ لو تعود تلك الأوجه الصخرية المتجعدة إلى بشريتها،فتحلُّ بي، وتكونني،وأكونها في لحظات انخطاف مذهلة تجعلني أقتنع بحتمية التحوّل بعد دخول كياني في ما نسميه موتاً،كنت أشعر أن هذه الصخور كانت يوماً مسكونةً بالحياة،ومملوءةً بالرغاب،ولكن الزمن كفيل بنسخ الآلام والآمال وافتراس الحياة.إن التصخُّرَ حتمية يقول بها الوعي الساكن في المادة،وهناك تتساوى الأشياء في كونيّتها المتحجرة،وتصبح أحلامنا وآمالنا وآلامنا بلا معنى.
ما معنى أن نحلم،وأن نأمل إذنْ؟!!إذا كان العدم هو المنتصر أخيراً فالأجدر بنا أن نسرع في تحوُّلاتنا لنختصر صعوبة المجرى إلى ظلموت المادة وكينونتها.شيءٌ عميق في داخلي كان يحتجّ على عدميّتي هذه،ويقول:لا،لن أصبح جزءاً من هذه الصخور الصامتة،لابدّ من روحٍ كانت في هذه الصخور،أين ذهبت؟،لابد من الإمساك بروح الكون عبر هذا الصخب الذي تمتطيه روحي على قلق خارج ترابيتي الداكنة.إن تلك الصخور تتذكر،وربما تحلم،وأشكالها تقول ذلك.كان في أعماقي أملٌ هائجٌ باستمرار أن هذه الصخور تنتظر قيامتها،هذا ما كنت أحسُّ به بالضبط.إن للأشياء حياةً سرية،لايستطيع الموت الدنوَّ منها،ولا بد من عودة الوعي لتلك الصخور المنتظِرة دخولي فيها.إنّ الرياح التي تعصف في هذه الأودية السحيقة هي أرواح تبحث عن أجسادٍ قد فارقتها،وهذا الأنين في ناي الراعي هو روح الغاب،وهو حنين الأشياء للعودة إلى أصولها.كانت هذه الأفكار الداكنة تجتاحني وأنا مقيدٌ بالسلاسل،أثناء نقلي من سجن”قصر فيروزيه”إلى”رينا”الصخرية المحفورة في صدر جبل”دماوند”العملاق،كنت أظنُّ الصخور أجيالاً هاجعة،والرياحَ الصاخبةَ على الشواهق،وفي الأودية العميقة روح تلك الأجيال التي حوَّلَها الزمنُ صخوراً متراكمة.
كانت لمسة واحدة من”دماوند” تجعلني خارج سيطرة الموت،وخارج أدواته/ السجن/والسجان/وصراع البشر حول جيفة الحياة المنتنة/كنت أحياناًَ أشعر بامتلاك قوة تستطيع خلق أكوان أخرى في مجرّات روحي اللامتناهية،وأحياناً كنت انقبض مراقباً عدميّتي،فأصبح أضيق من حفنة التراب التي أنا هي.كنت بحاجةٍ إلى طمأنينة وراحة داخلية،إنّ الطمأنينة لاتحتاج إلى وعيٍ،إنها تحتاج كثافةً شعورية غير واضحة،وربما تحتاج إلى ظلامٍ كثيف ليغطي يقظة العقل الطاغية.إنني بحاجة للانسحاب إلى داخلي لعقد مصالحة مع ذلك الواقع الذي يدمِّرني،ويمزِّق أشرعة يقيني.إنني بالتحديد بحاجة للإيمان.وتحديداً الإيمان بقيامة الموتى،وعودة اللذة للنسغ الماديّ وللروح القلقة التي تتجول وتصرخ بين كلّ ما هو متهدمٌ ومهزوم.آهِ ما أروعَ أن يكون المرء مؤمناً حقاً!!!.
رحلة الطريق إلى معسكر”أراك”كانت هي العمر كله،وربما كانت أحاسيسي عن تصخُّرِ الكون مقدمة للدخول الحقيقي في الحجَر،هناك في الزنزانة رقم”14″انتهت علاقتي بالكون وبدأت الدخول في الحجَر.بدأتُ أمارس فعل التحوُّل الحجَري خارج وعيي وكينونتي السابقة.بدأت فعلا أمارس الدخول في الشرنقة،وصرت وحدي جداً لاشيءَ سوى أنا،مغلَّفاً بظلموت الجُبِّ،وغيابة الليالي التي”لاقعر لها”صرت أمام باب شرنقتي كائناً خرافياً لايمتُّ إلى الواقع بصلةٍ،كنت كمن”يملأ برميلاً لاقعر له”كان الزمن ثقيلاً لا يتحرك،كان”دمُ جمشيد”أفاعيَ،و”دماوندُ” وصيداً.
لا أريد الحديث هنا عن عالم الزنازين والانفرادي،ولكن أريد أن أرصد تحوُّلاتي الغريبة والمعارك الضارية بين الجسد والروح.بين جسد مقيم وروح مهاجرة باستمرار،تلك الحرب الداخلية التي انتصرت فيها روحي على جسدي أخيراً،ولكن بعد أن جعلت جسدي خراباً،يراه الناس فيقرأون هزيمته بوضوح.كنت منهكاً باستمرار، وكانت خرائبي وهزائمي أوضح ما في جسدي الذي تحول إلى كهف سريٍّ وغرفة عمليّات لذلك الصراع الرهيب.كانت خرائط تلك المعارك واضحة الحضور في ذلك الجدار،والذي أسميه جسداً.كان كلُّ ما فيّ تعبيراً عن تلك المرحلة الطويلة التي قضيتها في الانفرادي.وأريد أن أقول،وبدراية عميقة:إن أصعبَ عقوبة تُوجَّهَ للإنسان هي عزله عن الناس.وبخاصة إذا استمرَّ عزله سنواتٍ طويلة.
كان الأسْوَدُ يَدخلني،ويحتلُّ مساحاتي الداخلية بكثافة،وينسج فيَّ كوناً أسودَ،وشعوراً أسودَ،وازداد يقيني أن نهايتي ستكون في هذا المكان الذي هو كوْني،ومرصداً لتحوّلي ودخولي في المرحلة الصخرية التي رأيتها في رحلتي إلى الزنزانة رقم”14″.أدركت تماماً علاقة الحزن باللون الأسود،وأدركت أن الضياء ذو صلةٍ وثيقة بالحرية والحلم والفرح الحقيقي.لعل الله خلق اللون الأسود للتعبير عن حِداد البشرية الأزلي.
في نومي الممزّق كنت أرى الأشياء مغلفة باللون الأسود،كان الكونُ منطفئاً تماماً،وكنت أرى كلَّ شيءٍ مأتميـّاً.كان أطفالي وزوجتي ينتبذون في المنزل مكاناً أسود،وكانت أشياء منزلي كلها سوداء،حتى ولو كانت في وعيي ذات ألوانٍ أخرى.
ظلَّ أطفالي لسنوات طويلة صغاراً لايكبرون،وكنت أتعجب من بقائهم أطفالاً،وأنا أراقبهم،وهم لايعرفونني بل يخافون من الزائر الغريب.ومع تقدم السنوات بدأت ملامحهم تهاجر عن إدراكي،ربما لكثافة السواد الحزين فوق مشاعري.صرت أراهم فيما بعد في نومي أغراباً تماماً عني رغم حنيني المدلهمّ،وحبي المملوء بالانكسارات والهزائم. لم نكن نتخاطب أبداً،كنا نعبّر عن حزن لا يمكن أن تتسع له الكلمات.
فيما بعد ومع اضطراب عواطفي وأحاسيسي بدأت أحلامي تصبح سوريالية لا ترابط فيها على الإطلاق.ولم يعد من الممكن أبدأ رؤية تفاصيل الحلم،أو روايتها.كانت الأحلام العجيبة تحفر في داخلي حُفَراً عميقةً.
كنت أتضايق جداً من النوم،لأني كنت أقاسيه أكثر من اليقظة.رغم أن النوم سكينة للنفس،وسفرٌ خارج السجن والسجان.كان هناك نوعٌ من الأحلام يتكرر دائماً في ليلي الحالك.كنت أرى نفسي هارباً من السجن،ومحاولاً باستمرار سلوك طرقٍ بعيدة عن رقابة الحارس،وكنت أركض مجهَداً،وصدري يعلو ويهبط كسفينة على متن موجٍ صاخب،وعلى أحد المفارق أرى الحارس أمامي سادّاً طريقي وحلمي،وهو ينظر إليّ، وكأنّ نظراته تقول لي كلَّ ما يخيفني،ويرعبني،ويملأ روحي باليأس والإحباط.وقتها أشعر بأن قدمي تخذلني،وأستيقظ،والعرق يتصبب من جسدي،ونفَسي يشبه الفحيح،كأنه خارج من تنّور.آهِ من ذلك الحارس الذي لاينام،ولا يحول،ولا يزول!!.
وكنت باستمرار أرى جبل الشيخ،ومنه أسافر إلى الصين،وإلى كل البلاد القصيّة.
كانت الأحلام تعذبني بقساوتها،وتعذبني بمقدار ما تفجّر في أعماقي من حنين لتلك البلاد التي طمرتها الحرب والقبور،ولم يعد فيها سوى الفقراء والموتى.الحنين والخوف والحرمان كانت أبجدية اليقظة والنوم معاً.
العزلة قد تكون مقبولة لأشهرٍ تتطهّر فيها النفس مما يتنافى مع سموّ جوهرها،ولبناء الرؤيا التي لامعنى للحياة إلاّ بامتلاكها.العزلة التي تقبلها الروح هي مصالحة عميقة بين الوجدان وحقائق الكون الكبرى،وهي عملية بناء وهدم،واستشراف يجعل المستقبل فقط هو الموجود.إذ تذهل عن الحاضر،وتصبح مستقبليّاً،وبالتالي لانهائياً.ويصبح عذاب الحاضر غائباً.
أما حين تمتدّ فترة العزل لعشر سنوات،ويمتدّ الأسر لعشرين سنة،وتكون في السنوات الأخيرة منه منعزلاً وحدك أيضاً،فإن الروح تزهق وتسيطر عليك كآبةٌ حادة،لاتستطيع معها ابتلاع لقمة الطعام،كانت الكآبة تمنعني من تناول الطعام،كنت ألقيه في”سطل الزبالة”وحين أُنهَكُ آكلُ لقمةً أو لقمتين.كثافة الكآبة تحوّلت إلى فعل جسدي،ويبدو أن الجوع يعبر عن نفسه بالأحلام أيضاً. كنت أرى نفسي على مائدة عامرة بالأطعمة،ويدي لاتقدر أن تصل إلى الطعام.كان الحلم والواقع يتناوبان على إتلاف ما ظلّ من جسدي متماسكاً.كنت أدرك حتمية الشراكة بين الروح والجسد في تجربة الألم والفرح الحقيقي،ونحن بمعتقداتنا نظل نعتبر الجسد شيئاً دونيّاً،وأنا أقول إنه مظلوم،إنه يحزن كالروح ومع ذلك لاننسب الموبقات إلاّ له.كان وجهي قاحلاً إلاّ من الحزن الذي صار الثوب الذي لاأبدّله،ولا يبدّلني.
فعلاً ينتقل الحزن من الروح إلى الجسد،يظهر الحزن في جسدك،حتى لكأنّ روحك هي تفاصيل وجهك الذي يتكلم لغة لا تبلغ اللغة إدراك إرهاصاتها،وإشعاعاتها الحادة،وتعبيرها الحسي،وهناك لا تبقى حاجة للغة نفسها،وقتها الجوارح تتكلم مع الجوارح بلغة واحدة تدركها الأرواح المعذبة في ظلموت الكون السفلي ّ.فكانّ الروح شيءٌ حسيٌّ ايضاً بسبب شدة حضورها في المادة وبسبب كثافة الأحاسيس ولزوجتها ووضوحها في مادة الجسد.
حين تكون وحدك ترى الناس أكثر،لأنك تراهم فيك،وهذا أعلى درجات الرؤية،وربما تكون أحياناً في جمهور،وتكون وحدك.من حكمة الحياة:ابتعدْ عن الناس كلما احتجت لرؤيتهم أكثر.إنّ إقامة أبي العلاء المعري في سجونه الثلاثة جعلته يرى ما لايُرى.لقد ذهب إلى الجنة والنار في”رسالة الغفران”وحشر الناس وفق ميوله،وكان غاصّاً بالناس في عزلته القاتمة،والتي ألزمته ما لا يلزم.حين تكون وحدك تتخلَّص من كلِّ ما هو مباشر،وتصبح أنت وحدك المسرحَ وخشبةَ المسرح والناس يظهرون على خشبة هذا المسرح،ثم يختفون،ولا يبقى منهم سوى روائح وجودهم،ثم توقظ الماضي محاولاً جعله مستقبلاً،ومحاولاً الدخول في الأحلام التي تصدّك عن رؤية الفجيعة الممتدة في وجودك كعمر الأموات.وقتها فهمت معنى اهتمام الإنسان بالسحر،ربما كان الساحر الأول إنساناً معذباً،وكان يحاول بسحره أن يكون خالقاً،ليرتِّبَ الزمن كما يشاء هو،لا كما تشاء الأقدار.إن السحر في حقيقته تكثيف الحلم،ومحاولة جعله واقعاً آخر ينتمي إلى أمنيات النفس المفععمة بالأماني المستحيلة،لذلك وجد السحر منذ وُجد الإنسان،حيث كان الوجه الآخر لتصحيح مسار الأشياء في ترابيتنا الفانية.كان السحر لصيقاً بالحلم ولايزال رغم وقار العلم،وتهديمه مدن الخرافة والوهم.
حين تيأس من كل شيء يصبح تفكيرك بالمعجزات هو كل ما لديك.كان الوهم عقاراً مهدئاً لي أحياناً كثيرة.ومع ذلك لم أنفق كلَّ ما لديّ من الصبر والحلم،كنت أحتفظ بهما لليوم الأكثر مرارة.كانت الحياة تذبل باستمرار،وكان الحزن هو المهنة الوحيدة التي يُسمَحُ لك بممارستها في السجن.أحياناً كان يبزغ أملٌ،ولكنه كان يموت بسرعة.كان المجاهدون الأوائل في الإنسانية ضد العذاب يدخلون جمجمتي لتبرير المكان.وكانت أصوات الطائرات الحربية تفهمني أن الحرب ما زالت قائمة،فتهزل روحي،وتحاول أن تنصرف لممارسة وهمٍ ما.كنت أريد أن أكون الحلاج،ولكن لم تكن لي الجرأة على صعود المشنقة.كان صوت يأتي من مكانٍ قصيٍّ،يقول لي:عش اليوم،ومتْ غداً.لقد تعرفت إلى بشرٍ كان الموت يقع خارج كيانهم،لشدة حضورهم لايمكن تصديق نزوحهم.قلت:لعلهم شربوا من الخمرة المقدسة.
كنت في عزلتي باباً واسعاً لدخول أنين الكون المنبعث من الناي والريح وصدر الإنسان المعذب الذي ينفخ عذابه عبر أنينه منذ أن وعى الإنسان كينونته الممتدة خارج”حفنةٍ من تراب”كنت وعاءً لتلك الأحزان التي جعلت روحي مثل قصبة في مهب الريح،كان الزمن في داخلي يتحرّك كالجنين،ولكنه لايلد ولا يولد،كان يتحرك في مكانه الأزلي/أعني السجن والسجّان.كانت الزنزانة مشيمتي،وكنت فيها جنيناً واعياً لا ينتظر ولادته.
لم أكن قادراً على ضبط إيقاعي الداخلي على ساعة الزمن الذي يغلِّفني.كنت والزمن نسير باتجاهين متعاكسين،كان الزمن يقضم ترابيتي،وكنت أحاول قضمه بكل ما فيَّ من نهَمٍ للحياة،ولو عبر الحوت الذي ابتلع يونس،ولكنه كان نبيّاً،وكان من المسبحين، ولذا نُبذَ في العراء،ورأى الضوء،ونقـَلـَه”إلى مئة ألفٍ أو يزيدون”.لم يرَ الضوءَ لو لم يكن قادراً في جوف الحوت على سماع تسبيح الحصى في قاع البحر،وفي جوف الظلمات السبع.ظلّ يحنُّ إلى عنصره،وإلى تلك الأرض التي ذهب عنها مغاضباً،لأن نبوّته امتداد لهجرته في ذاته،وفي التجربة أيضاً.
من تجربة يونس سطعت في أعماقي شمس أخرى،غير تلك الشمس التي يصادرها البشر ويمنعونها عن المساجين.وأخيراً بزغت فيّ إرادة الشمس،صارت شمسي تشرق وتغيب حسب التوقيت الداخلي لهمومي الداكنة،والومض الإشراقيِّ الذي لم أكن قادراً على رصد مصادر طاقته بدقة.يومها قلت:
وإذا كانوا كما قالوا لنا:يدعون حقاً للضياء/
فلماذا حجبوا عنا الضياء/
يونسُ كان نبياً،أي كان ثائراً،ولذا آمن بحتمية الخلاص،ومثله كنت مقتنعاً أنّ النبوة ثورة.ولذا ستلفظني الزنزانة كما لفظ الحوت يونس.وستنبت عليّ شجرةٌ من يقطين،تغتذي من حب أولئك الذين ينتظرون أوبتي على مشارف”إيتاكا”حيث السفينة ترقص فوق البحر،وحيث البحر ساكنٌ كالزيت،وحيث”بينلوبا”تنتظر على باب الوطن، وحيث بيتي سيلبس لوناً آخر لاستقبالي،سيخلع سواده.حتى المكان سيفرح لأن فيه شيئاً مني.وهناك الزمن الذي كان زمناً حقاً سأحاول أن ألبسه مرة أخرى،لأنني أحمل”نبتة الحياة”التي سرقتها الأفعى من”جلجامش”حين غفا بجانب البئر التي اغتسل فيها،هكذا كنت ممتلئاً بالكون،والموت لايجرؤ على الدنوِّ مني يوم خرجت من معتقلٍ قبله،الموت يضمر إلى حدّ التلاشي في حضرة الحب الغامر،سوف لن أغفو بجانب البئر مرة أخرى.إن الخلود ممكن هكذا كان يقول الومضُ الداخلي،إن الضوء لغة تفهمها النفوس المعذبة.إنّ فرحاً حقيقياً نحن بحاجة إليه،يكنس من أعماقنا كل القشور التي تتساقط من شجرة المجد الزائف.إنّ من يمشي على لحم قدميه يحسّ نبض الأرض وحيويَّتها فيه أكثر من الذي يلبس حذاءً ذهبياً لم يصنعه من مجده وحده.
“في البدء كانت الكلمة””وإذْ ابتلى ابراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهنّ”وقبل ذلك”علّم آدمَ الأسماء كلَّها”السرّ في الكلمة،وهي نبتة الحياة التي راح “جلجامش”يبحث عنها بعد أن أرشده إلى سرِّها جدُّه”آتونبشتمْ”الساكنُ عن مصب الأنهار.أنا لن ألامس بيدي مياهَ الموت العميقة،ولن أدعَ الأفعى تسرق نبتة الحياة مني حيث لن أغفل قبل مضغها.
كانت الكتابة الوجه الآخر للصراع مع المقبرة.لقد قال”هاملت”أروع ما لديه في المقبرة،فلمَ لاأكونه؟!!.كان التوازن في العاصفة يمنحني جذعاً قوياً.
لابد من الكتابة.القرار لم يكن وافداً من الخارج،لقد كان القرار نابعاً من امتلاء نفسي بعناصر الخلق،ولذا لابدّ من تفريغ الشحنات في الكلمات.صرت كالطائر الحرِّ في قفصه كما يقولون.
أنا اكتشفت الأرض الموعودة من قاع زنزانتي،ولكن أين الأوراق والأقلام لكتابة الشعر،والاحتفاظ به؟!الشعر هنا ليس ترَفاً،لقد كان سلاحاً ضدَّ الموت،كان آخر مجذافٍ وآخر”مردي”في يد”جلجامش”وهو يبحر باتجاه جده الذي يحتفظ بسرّ الحياة والموت، منذ أن جعلت الآلهة الموت من نصيب الشر،واحتفظت لنفسها بالخلود.
كنت أكتب بلا قلم،وبلا ورقة أيضاً،وكانت ذاكرتي هي الدفتر والقلم ومخبأ ما أكتب.ولذا اتسمت قصائدي بالطول،بسبب سيطرة الحالة عليّ لفترة طويلة،دون أن ينفّرَها منفِّر، بسبب تشابه الزمن وسكونه الخارجي،فكان الداخليُّ هو الموجود الوحيد في ليالي الأسر الطويلة.كنت أكتب،ثم أكرّر ترداد ما أكتب،حتىينحفر في ذاكرتي بشكلً نهائيٍّ،ثم أكمل دون انقطاع الحالة الداخلية التي يجب توفُّرُها باستمرار أثناء كتابة القصيدة.لقد ساعدتني الكتابة كثيراً على تبديد كثافة الزمن الأسود.وكنت أشعر بفرح غامرٍ حين أضع أقلامي الوهمية جانباً،منهياً قصيدة.
وكنت قد بدأت منذ بداية الأسر بحفظ القرآن،لقد أعطوني قرآناً مذيّلاً بترجمة فارسية،وهذا ساعدني كثيراً في إتقان اللغة الفارسية.لقد حفظت القرآن عبر سنتين،رغم كل يوميّات الأسر.لقد أتممت حفظه قبل عزلي في زنزانة منفردة.وكنت أراجعه أسبوعياً،ثم بدأت أشعر أنه يزاحم حفظي لما أكتبه،فأهملت مراجعة القرآن،ولكنّه ظلّ في معظمه عالقاً في ذهني،وإن بشكلٍ غير مرتب.
كتبت في عزلتي كثيراً،وكنت أنتظر أن يلفظني الحوت في العراء،ولكن دون جدوى. ولكن الروح والجسد كانا باستمرار يتصارعان،دون أن يصلا إلى مرحلة الطلاق.كان الغرق خلفي باستمرار،وكنتُ أوجِّه الحوت،وأنا في داخله صوب الأرض الموعودة.كان جوف الحوت أطول مسافة قطعتها في حياتي،أعني المسافة التي تمتدّ من باب زنزانتي إلى باب السجن الخارجي،لقد قطعتها في خمسين ألف سنةٍ مما يعدّون.وما أصعب الانتماء إلى الحجر في زمن البراكين!!لقد كان قدَرُ التنّور أن يكون بيتَ النار.
كنت أتفوّق على المحقق باستمرار،وهذه شهادة له،وليست عليه،لقد كانت أشعة حزني وقهري تخترقه،وكانت حرائقي الداخلية تـُرى من بعيد،وبوعيٍ تام.
حتى في أشد الساعات هولاً يشعر السجين بضوء يدخل إلى أعماقه فتشرق روحه،ويفرح فرحاً حزيناً إذا جاز التعبير،وأحياناً يفرح فرحاً حقيقياً،ولكن هذا الفرح لا يكون أكثر من خطف سريع،يعود بعده الأسير إلى شرنقته في غيابة الجبِّ.أدركت أن للنفس أقاليمَ كالطبيعة ذاتها.وهذه الأحاسيس المريحة أحياناً قد تنبع من كلمة طيبة تشبه الصدَقة،يعطيكها الحارس على شكل خبر يأتي من جهة الوطن،أو الباب الخارجي.أو ربما تأتي من إحساس السجين بحركة غير اعتيادية في العالم القريب منه،إنه يرى بأذنيه أحياناً كثيرة.تذكرت بيتاً من الشعر لشاعر أندلسي، وكنت أحفظه من الصغر،ولم يكن يعني لي الكثير،وأثناء اعتقالي أدركت ماذا يعني تماماً.لقد أتممت فهم هذا البيت من الشعر في زنزانتي:
إذا دخل السجّانُ يوماً لحاجةٍ عجبنا،وقلنا:جاء هذا من الدنيا
إنّ صرير المفتاح في بوابة المعتقل له معنى لايدركه إلاّ أولئك المدفنون في ظلمات الزنازين والأقبية.إنّ اللهفة لتطغى،وتتجمع كلُّكَ في جملة واحدة حين يزور المعتقلَ وفدٌ عالٍ:متى أخرج من الانفرادي؟!.وحين يغادرك الوفد تعود إلى حزنك القديم ناسجاً شرنقتك السوداء التي لم تكن قد أكملتَها بعد،وتاركاً السؤال هناك يدوّي في أرجاء المنفى.إن نسيج الشرنفة مهنة تمارسها النفوس الحزينة من أول سجن بناه الإنسان على هذا الكوكب المنطفئ.وتبقى وحدك تناجي اللاشيء:أيتها الأرض يا ذات القيود السماوية،متى تقترب السماء من الأرض لترى هذه القبور المملوءة بالحياة!!!.
إن الإنسانَ المعتقل الذي يعرف المدة التي سيقضيها في معتقله يشغل نفسه بعدّ الأيام والليالي.أما الذي لايعرف أنه سيخرج يوماً ما من غيابة الجب،فهو إنسانٌ آخر،تنقطع الصلة بينه وبين أشياء الواقع،ويصبح مؤمناً بالمعجزات،بل ويدرِّب نفسه على الإيمان بها،لأن المعجزة وحدها هي التي تنقذه من سجنه.صرت أقرأ في سورة يوسف،وأتصوّر”السيارة”التي أدلتْ دلاءَها في”بئر كنعان”،فأخرجت يوسف بدل الماء، لعلها تمر ثانية لتَمْـتـَحَني من قاع زنزانتي السوداء.القافلة أخذت يوسف لتبيعه بثمن بخس لعزيز مصر.وبين بئر كنعان وسجن”العزيز”في مصر اكتملت تجربة يوسف،وأصبح رائياً.والرائي يكون قد امتلأ بالضوء، ويكون قادراً على تأويل ما لا يحيطون به علما:”يا صاحبَيِ السجنِ أمّا أحدُكما فيسقي ربَّه خمراً،وأما الآخرُ فيُصلَبُ فتأكل الطير من رأسه.قُضيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان”.إن الرائي وحده هو الذي يجعل الزمن خادماً لزمنه الذي ينبثق من داخله،ومحتضناً”العالم الأكبر”
صرت أفكِّر طويلاً بطائر الرخِّ الذي قرأت أخباره كثيراً في”ألف ليلة وليلة”وكنت أفكّر كيف سأربط جسدي بساقه لينقلني إلى بيروت،وكنت أخطط في وهمي كيف سأمزّق البطانية لأفتل منها حبالاً قوية لا تنقطع على طول الرحلة.ولكن كيف أحلّ مشكلة برودة الطقس خلال رحلة الطيران،وأخيراً أحزم أمري ،المهم أن أخرج من غيابة الجب ِّ.وفكرت كثيراً بالنبي يونس الذي ذهب مغاضباً،ثم أصبح رائياً،وذلك أجبر الحوت على نبذه في العراء،بعد أن كان في جوف الحوت،في ظلمةٍ تغلِّفها ظلمات.لقد لفظه الحوت لأنه لم يستطع تحمل الضياء الجديد المتكوِّن في ذات يونس. كنت أحسد أبا فراس الحمداني على حمامته التي تنوح على”غصُنٍ نائي المسافة عالِ”،لأنه ذو صلة بما هو خلف سجنه.
إنّ الظلمة حين تكون في المكان خارجَ الإنسان لاتؤذي أبداً.الظلمة التي تسحق النفس هي الظلمة التي تهيمن على روح الإنسانٍ الداخلية لزمن طويل.لقد أحبّ بودلير الظلام:”لكم كنتَ تسعدني أيها الليل،لولا نجومك التي يتكلم ضياؤها لغةً مفهومة”إنَّ هذا الحبّ مؤقت لأن الظلام حين يغشى النفس يسحقها.لـُمَعٌ من أحاسيسَ مضيئة تستطيع أن تعطيَكَ عمراً إضافيّاً،وأنت مغلّفٌ بالظلمات السبع إذا كان في داخلك لـُمَعٌ من صبابةٍ وحنين.
كان الغناء الذي يدندن به الحارس في الممشى بين الزنازين دواءً لنفسي المترعة بالأوجاع والأوصاب:
أكر إيران بجز ويران سرا نيست من إين ويران سرا را دوست دارمْ
أكر آب وهوايش دلنشين نيست من إين آب وهوارا دوست دارمْ
معنى البيتين:
إذا لم تكن كل أنحاء إيران إلاّ خراباً فإنني أحبُّ وأعشق هذا الخراب
حتى ولو كان ماؤها وهواؤها غير منعشيْن للقلب فإنني أحبّ ماءها وهواءها
إنّ للأصوات علاقاتٍ حميمةً بالأمكنة التي كوّنتها،كنت أرى في صوته جبال أذربيجان العالية،وروائح أشجار تلك البلاد القصية،يمكن أن يرى الرائي الغابة في أنين الناي،وقد يرى الإنسان في الحالات الصعبة بأذنيه،قد ترى بلاد الغرباء على ثيابهم،وفي حقائبهم التي تشبههم،والثياب القديمة مثل الذكريات،وقد تتذوق في الصوت طعم البكاء.وقد أجاد الشاعر العالمي”بودلير”حين هدم الجُدُرُ بين حواسه،لتعبر مجتمعةً عن فجيعته أمام تجربة الحياة التي سحقته ليسطع منها ضوء لا يزال يضيء في زوايا كل النفوس المعذبة،وتلك التي تحبُّ الإبداع وتسكر برحيقه.كان يرى في تلك المرأة/أنّ نفسها يبدع الموسيقى/مثلما يولِّد صوتها العطر/إن المكان هو الذي يكوِّن الصوتَ والعادات،والمعتقدات أيضاً.إنّ هذا واضحٌ جداً في مسيرة التاريخ البشري.كان صوت الحارس ـ الذي يغنّي لي دون أن يدري ـ عالياً أحياناً كجبال أذربيجان،وخفيضاً عميقاً كأوديتها السحيقة.وأحياناً تبدو في صوته عاداتُ بلاده حين يهمس همساً لحبيبته التي تنتظر نهاية خدمته العسكرية ليدخلا معاً في آدمَ وحواء،ولايخافان بعدها أبداً طرداً من الجنة.كان غناء ذلك الفتى كغناء كل الفقراء والغرباء في العالم ممتلئاً بالحلم،والفقر،والغربة،والحب،والخبز،والحنين والحرية.كان في صوته كيمياء تحوّلاتي الداخلية،حيث شعرت براحة عميقة،إثر دموعٍ ساخنةٍ لم أكن أعي أبداً جريانها على خديّ،كنت أشرب غناءه كما يشرب المريضُ الدواء.ولكنه دواء لاوجود له في صيدليات الحكّام الذين لايدرون”علامَ يبكي الموتى”أدركت أني لست عاقراً،لأنني مازلت قادراً على البكاء،والذي يستطيع أن يبكي يستطيع أن يفرح أيضاً. يمكنك أن تنسج خلاصك حين تعتقد أنك ستجد الخلاص.
كان الغناء يفرغُ الحزن من نفسي المشحونة بكهرباء ذات توتُّر عالٍ من العذاب.صرت أدرك لماذا يغني الحزانى،والثكالى،والذين بترت الحياة بسيوفها أغصانَ أحلامهم.صرت أدرك معنى العلاقة بين الثكلى وحجارة القبر التي تحدب على فقيدها.كان حداء القوافل طريقاً للواحات،كان لابد من الوصول إلى الينابيع التي ينطلق من أجلها الحداء.والذي يرعب في الصحراء انقطاع الحداء،وجفاف الينابيع،هناك علاقة بين الغناء والدموع يحدّدها القلب والحلم.وكنت ولا أزال معجباً بحكمة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه”من وثقَ بماءٍ لم يظمأْ” إن الصحراء برمالها المحرقة تخضلُّ أمامك حين تثق بوجود الماء.الثقة بوجود الينابيع هي الينابيع نفسها.وقتها يأتي الغمام،ويظلـِّلكَ،ولا يرحل بعدها أبداً.كنت أشعر أنه ما زال مكانٌ في نفسي يتسع لحزنٍ آخر،كنت في أودية عذابي لاأتسوّل الحياة من أحد.كنت أدرك أن الوصول إلى المنجم يحتاج إلى المرور على أدهى الثعابين،والوصول إلى الله سيخضعك لتجربة شياطين الجن والإنس.كان عندي يقين ساطع أنّ من وُلِد في البقاع سيموت في البقاع،مهما بعد المكان،ومهما طال الزمن.كانت فيَّ قوى الحلم والخيال أشدّ حضوراً من قتام الحرب الذي يحجب يوم العودة.لقد علّمني هولُ التجربة عدم الاهتمام بيوميات الحزن العادي.تعلمّت أن أخلع عذاب اليوم الذي يمر،وأقذفه خلف الباب،لم يكن عندي وراءٌ إلا الذكرى،والتي استطعت بكثير من الدربة أن أجعلها مستقبلاً يومئ لي باستمرار للعبور على سفينة”عوليس”.كنت أحياناً كثيرة أغدو كقصبة مملوءة بالألحان،وأقل ما فيها أسرار الغابة،وأرائك عصافيرها.
كلُّ الذين أحببتهم،وأحبوني زمناً طويلاً،سيراقبون عينيَّ يوم عودتي،وأخاف أن يروا فيهما جنازة القمر الذي كان يلبس فضّةً،ويمرّ يومياً على”وادي الحرير”.إذا حصل ذلك فسيضحكون طويلاً،ثم يخرجون من قلوبهم قمراً أجمل،ونسمر معاً حتى الصباح على ضوئه.وإذا كان هذا العالم بعيد المنال،فإنني سأذهل،ثم أبدأ بكتابة أسماء الأمكنة،وأسماء الذين أحبهم على الجدار.وحين أصحو أشعر أنَّ”أراك”يغرق في قبره،وأنا أغرق فيه.إنني أحتاج من أجل حمل عذابٍ بهذه الفداحة إلى شجاعة”سيزيف”وعناد”صقر قريش”.
الماضي ينهمر عليك بغزارة في عزلتك،إن التذكر في الأزمنة الصعبة هو تهديم العالم وإعادة بنائه،والماضي الذي ينهمر عليك يكون أغلى ما لديك من هذا الماضي،صورة الأم،والحبيبة،وأفراح القرية ومآتمها،والفقر،وكلّ أشياء الطفولة الحميمة.كان الماضي نديمي والذكرى خمرتي،وحدي كنت أنبش هذا الماضي،وأجلس بين يديه،كما يجلس الوثنيُّ أمام وثنه.أذكر أمي،وهي عائدة من”أبواب القـُلـَع”،والمطر يُمطِر من جسدها لغزارته ولطول الدرب التي قطعتها،وهي تحمل حزمة الحطب على رأسها،وقد أصبح رأسها وعنقها جزءاً من الحطب لشدة تشنـُّجـِهما من التعب،وثوبها العتيق ملتصق بجسدها لتـَبـْلـُّلِهِ بالمطر،كنت أخرج لملاقاتها عند”البِرْكة”،فتصرخ بي للعودة للبيت حتى لايبللني المطر،وأمرض.وكان شيءٌ يدفعني إليها ربما لأساعدها في حمل الحطب،ولكن الحطب كان أصلب من عوداً،واكبر من قدرتي على حمل جزء منه.آوي إلى ظلِّ حطبها ليعصمني من الماء،وليكون مظلتي،ولكن المطر يتصبب من الحطب ايضاً،وتمسك الحطب بيدٍ،وتمسكني باليد الأخرى،وأشعر بدفء الحطب على رأسها قبل أن يصل إلى”الموقدة”،وأشمّ رائحة الحطب ممزوجةً برائحة ثياب أمي.إنّ ثياب الفقراء تحمل رائحة الحقول أيضاً،لأنها هي نفسها ثياب العمل،وثياب البيت، وثياب كل المناسبات،وفيها أيضاً،طعم البكاء،وطعم المطر.وتجتاحني قشعريرة دفء الشتاء اللذيذة تحت لحاف الصوف المملوء بروائحنا جميعاً،وأبدأ بالغناء”شتّي يا دنيا شتِّي/عا قرعة ستِّي الطرشي/”وأمام الموقدة تبدأ أمي بتجفيف الحطب قبل جسدها لتطرد”كانون،فحل الشتاء” الذي يجأر عند الباب،ويبدأ الدفء يخرج من عينيها اولاً،قبل”الموقدة”.لاأزال أذكر كلّ ذلك،وأذكر يوم ذهابي إلى”الكـُتـَّاب”لأول مرة،وقد خاطت لي”الجزء”الجميل،وفيه وضعت”جزءعمَّ”وقلم الرصاص،وممحاةً تعلّمت منها المحو قبل الكتابة كرافضيٍّ ذي عقيدة مرة فيما بعد،ولا أزال أذكر يوم طلبت منها”خرجيةً”، فأخرجت الجنة من تحت قدميها،ودسّتها في جيبي،ولم يكن يومها في حوزتها غير تلك الجنة.
ما الذي حمل تلك الذكريات من تلك القرى الغارقة في أبديتها إلى”أراك”ليجعلها سميرة تلك الليالي الطويلة كأعمار الموتى؟!!.أين تلك الحبيبة الأولى ذات التنورة الزرقاء التي تشبه العيد،والتي كنتَ تمرّ أمام بيتها،وتحسب أن الجنة فيه،ونهر الكوثر،وعبلة بنت مالك،وليلى العامرية؟!!!كانت تلك الذكريات تساعدني على الزمن وعلى الخروج منه.كنت أذهل”حتى لاأكاد أجيبُ” نداء الحارس”بلند شو،نهار آمد””إنهضْ،جاء الغداء”.
لشدة انخطافي أحياناً كنت أتكلم بصوتٍ عال،ولا يعيدني إلى الزمن الذي أنا فيه سوى صوت الحارس الذي صار يفهم تماماً رحلاتي العجيبة في جغرافية الوهم.حيث يضحك،وأضحك على نفسي.أحياناً كنت أبكي فأرتاح.وأحياناً كنت أغني،تذكرت وقتها أبياتاً لـ”بودلير”:
زهرٌ كثير يريق على مضضٍ/
عبيرَهُ اللذيذَ مثلَ سرٍّ/
في العزلات العميقة./
كنت أحاول سماع أي شيءٍ عن العالم الخارجي،كنت أنتظر نهاية حربٍ،أو نهاية عمرٍ،وكلتاهما كانت تمتدّ،وتمتدّ في زمن لايتحرّك أبداً،الكلمة الوافدة من الخارج صدقة على الأسير،لأنها تصله بما هو أبعد من جدار الزنزانة السميك.إنها”بريد الغربة”.كنت أحاول التجوّلَ في وجدان الحارس لأسرق خبراً يأتي من جهة الغرب،ولكنني كنت”غريب الوجه واليد واللسان”كما يقول المتنبي.كان هو يفكر بإجازته القادمة،وهل يكفيه ما بجيبه من نقود للوصول إلى أهله في عمق كردستان،وأنا كنت أفكّر بعمري هل يكفيني على هذه الطريق العجيبة للوصول إلى أهلي في لبنان.كنت في ظاهري جسداً يتعامل مع الحارس والسجن والزمن،وكنت في داخلي إنساناً يتعامل مع الحلم،والحرية،والحبيبة التي تشبه حكايا شهرزاد للملك السعيد.
هنا لابد من الاعتراف،ورغم أن وضعي كان صعباً جداً،وعزلتي لايمكن أن يتحملها بشر،فقد تعرفت إلى إيرانيين طيّبين،يحملون في حناياهم إنسانية تتخطى الحروب والعداء،ويوميّات الحرب التي تأتي فيها مئات التوابيت لكلا الطرفين.تعرّفتُ إلى إيرانيين شرفاء،كانوا يبكون لآلام الأسرى،وبعضهم كان يحاول أن يساعدنا،وبعضهم عوقبَ بسبب مساعدة الأسرى،لي أصدقاء من الجنود البسطاء كثرٌ،كانوا يتألمون لألمي،وكأنه فيهم،وكنت أشعر أنهم كانوا يفرحون كثيراً حين ينقلون لي خبراً عن اقتراب نهاية الحرب.وفي الوقت ذاته كانوا مخلصين لبلادهم إخلاصاً كاملاً.وفي الوقت نفسه عرفت أنساناً إلى الآن كلما ذكرتهم أشعر بدوار في رأسي.
أمام تجارب الألم الكبرى يتوحّد البشر،وتمّحي الفروق بين السجين والسجان،وتُغسَلُ القلوب من الأحقاد،وتمتلئ النفوس بشعور غريب لايدركه إلا من عانى تجربةً عميقة تحيل الشعور تصرفاً،والإحساس دموعاً،وتصبح السكّين والجرح متألميْن بنفس المقدار ومتعانقيْن في مصيرٍ واحد.ليس هناك كالأسى يوحّد بين البشر،ويفجّر ضوء الحب من العزلات العميقة المعتمة في أعماق النفس الإنسانية المعذبة.
في هذه الأجواء المأتمية كتبت أشعاري التي كانت تعبيراً عن سفري ليس في اللغة والزمن فقط،وإنما كانت تعبيراً عن سفري في المكان أيضاً.كنت أحسّ وأنا في حضرة القصيدة أني أسجن السجن،وأخرج حيث شئت،كان الكون كله أحيانا على مرمى قدمي،وأنا أهتف بأشيائي الحميمة:خلوا سبيلي،إنّ قدمي مأمورة.كانت طريقي إلى الفرح تستغرق قصيدة كاملة.كنت لشدة حضور الحالة كمن يحرس الحارس،ويخاف أن ينام،ويترك الحارس فيهرب.أحياناً كنت أترك إلى جوار القصيدة حزناً،ودمعاً.وأحياناً فرحاً مسحوقاً من شدة عيائه.وأحياناً كنت أرى ثماراً قرب جوعي تنتظرني،وعمرها أكثر من عشرين سنة.وأحياناً كنت ألعن طروادة،وأدعو”عوليس”إلى مغادرتها قبل أن ينغلق البحر،وقبل أن تتخلى”مينرفا”عن حكمتها،ويحتاز”الأوباش”ضفيرة بينيلوبا”.
كنت كلما كتبت شيئاً أشعر أنني رجل جديد،وفي ظلام اللغة كنت أرى ضياء الكون.كان الحجر الصبور يتحوّل إنساناً قادراً على انتظار الوجبة الأخرى،كان كلباً بجوعه،ولكنه لم يصبح في يوم من الأيام واحداً منهم،أعني الساقطين الذين يكتبون التقارير التي تسبب لنا كل هذه الكآبة،كنت أقبل أن أكون كلباً جائعاً،ولا أقبل أن أكون إنساناً ساقطاً.
عندما يكون الواقع أغرب من الخيال،لا تكون العبقرية إلاّ تسجيلاً مباشراً لما يحدث داخلك وخارجك،وتكون جمالية ما تكتب بمقدار ما تُحيل السموم التي تسكبها الحياة فيك إلى وجباتٍ دسمة.أدركت عبر الجمال المولود في الزمن القبيح أن التعاسة أصفى مرايا النفس الداكنة.تحت جلدي كانت تنمو عوالم بلا نهايات،وكانت البوابات تنفتح باستمرار على شيء مبهمٍ يأتي ولا يأتي.
كانت قصائدي تصبح كائناتٍ حرةً،وذاتَ أعمار،الآن حين أعود لتلك القصائد أسترجع الحالة التي كنتها أثناء كتابة هذه القصيدة أو تلك.وكنت أحسّها تـُنشَد خارج السجن، كنت أكتب عما هو إنساني في عالمٍ غير إنساني.صرت أؤمن أن الكتابة التي تساعدك على الخروج من عذابك هي عملٌ أخلاقي،وكلما ازدادت جماليةُ ما نكتب ازدادت قيمته الأخلاقية،لأنَّ الكتابة الجميلة تزيد فرحتك،فيضمر عذابك أكثر.وهكذا تتلازم الأخلاق وعملية الإبداع الفني،ولأن الأدب في جوهره ذاتيةُ مجتمعٍ بمقدار ما هو ذاتيةُ فردٍ،فإن الأدب يصبح فعلاً أخلاقياً متقدماً،وتسقط النظريات التي تعتبره ترفاً لا مبرر له.إن الإبداع ينتشل الإنسان من عدميته.
ولأن الكتابة الإبداعية هي نتيجة توّترٍ مستمر،وحرائق لهشيم المبتذل المتكرر،فهي ثورة مستمرة،وتحوُّلٌ إلى المستقبل عبر الإبداع والجمال،وليس هناك أجمل من جعل الإنسان مستقبلياً باستمرار.إن الكتابة ليست تجربة إنسان مطمور بين الكلمات فقط،وإنما هي تدريب للنفس على تجاوز الألم والعذاب،وهزيمة للعالَم الذي يحاول هزيمة القلب أمام سيطرة العلم الخالي من خفقة الروح.
لابدّ من التأكيدعلى ضرورة الصراخ حين تكون وحدك على طريق مرعبة،وقتها يكون صراخك أحد أسلحتك.هكذا كنا نفعل،ونحن صغار.كنا نطرد الرعب بالصراخ والكلام العالي.وهذا ما يفسر كثيراً من المغالاة في قصائدي،كنت متطرفاً جداً،ويعذرني قارئي،لأنني لم أكن أملك سلاحاً آخر في زمن صعب.أنا أكتب مقدمة هذه القصائد بعد أكثر من عشرين سنة أحياناً،وربما أكثر،ولا أزال فخوراً بذلك الصراخ الذي أخرجني من أودية الرعب المملوءة بكل مرعب وعجيب.أقرأ هذه القصائد الآن وكأنها لحظات عمري في ذلك الزمن الغابر.
كنت أكتب في زمن الحرب،ولابدّ من إدانة عدم إنسانية الحرب عبر التاريخ الإنساني كله.لأن الحرب نارٌ”وقودها الناس والحجارة””والحرب لايبقى لجاحمها التخيُّلُ والمراحُ”كما يقول شاعر بدويٌّ منذ الجاهلية.المنتتصر الوحيد في الحرب هو الدمار. تجربة الحرب الأهلية في لبنان مزّقت نفوسنا،وعهَّرتْ أحلامنا،وهزمت الوطن كله،يومها انتصر إله الحرب ثم انتحر عندما رأى آثام انتصاره.إنّ الذي يرى الأمهات،وهنّ يستلمن أكياس البلاستيك السوداء المحشوّة بأفلاذ أكبادهن يدرك ماذا تعني الحرب،والذي يرى الأرامل يأكلن بأثدائهنّ تحت صورة الزوج الفقيد المعلقة على الجدار ليطعمنَ زُغْبَ الحواصل تحت القصف وهدير الصواريخ يدرك ماذا تعني الحرب،والذي يرى الجرحى في أرض المعركة يدرك ماذا تعني الحرب،يرى جندياً بلا ساق،والدم ينفر منه كالشؤبوب،ويتوسل إليك أن تجهز عليه ليستريح من ألمٍ لايُطاق،وآخر مبقور البطن،وأمعاؤه على الشوك أمامه،وآخر لاتزال الشظية في ظهره،ويصرخ من الوجع.أحياناً وأنت تنتقل من مكان إلى مكان أثناء المعركة تشعر أنك تدوس في بطن جريح،ولا تدرك ذلك إلاّ من صرخته،أو من الدماء التي انفجرت منه فأصابت وجهك برذاذها،والذي يسمع غناء الأسرى بعد سنوات الأسر الطويلة،وما يحمله من لواعج يدرك ماذا تعني الحرب،ولو أبصرت أمهات الأسرى وزوجاتهم على الشريط الشائك في معسكرات الأسرى،وهنّ يتحدثنَ مع أبنائهنَّ،أو أزواجهنّ،وقد سمحت لهنّ الأقدار بعد السير والتوسّل شهوراً أن يقابلنَ أزواجهن وأبناءهنّ من وراء الشريط،لو سمعت ما يدور بين الأم وابنها وبين الزوج وزوجته خلال ذلك اللقاء العجيب،لو ترى الانكسارات التي تحدثها هذه اللقاءات،ولو أتيح لك سماع صوت الزوجة،وهي تشكو لزوجها الأسير صروف الدهر لعرفت ماذا تعني الحرب،لو أتيح لك أن تدخل جوف زنزانة فيها أسيرٌ متهمٌ بحب وطنه،وتراقب أقاليم تحولاته الداخلية،وما يهطل فيها من أمطار فسوف تدرك معنى الحرب.لو تأملتَ وجهي يوم عدتُ من العودة،يوم أُرجِعتُ عن سُلـَّمِ الطائرة إلى جوف الزنزانة،لأقضي بعدها في الأسر عشر سنين مضافة لعشرٍ سبقتها،وقتها كنت ستدرك ماذا تعنيه الحرب لإنسان يخذله القدر في لحظةِ عصف تقتلع آخر فرحٍ كان يخبئه لأهله.
أنا منحازٌ للسلام،وسوف أترك للسياسيين أن يفتوا لنا في عشر سنواتٍ عجاف تأكلهنَّ عشرٌ أشدُّ إملاقاً قطعتهنّ في الأسر دون أن أحني هامتي إلاّ لله.ذلك شيءٌ يشهد به العراقي والإيراني معاً،وكل من لامس تجربة أسري الطويلة،لو سئلوا عن سيرتي في الأسر،ولكني أنحني الآن للسلام لأنه أعاد لي فرح العودة الذي سرقته”بوران” مني في تجاويف”دماوند”وقمة”أشنو”.الموت للحرب،وقديماً قال أبو تمام”والحرب مشتقة المعنى من الحَرَبِ”.إن انحيازي للسلام يضمر انحيازاً للحرب على الظلم،وانحيازاً للموت دفاعاً الوطن،والقيم العالية المطلقة التي تنتصر لها النفس البشرية،ومنها يبدأ صنع السلام.
أنا أردت أن أقول:إنّ النفس البشرية مفطورة على الحب بالغريزة،وذاك داخلٌ في تكوين مادة الحياة نفسها.حتى الذئبة تراها حادبة على جرائهاتلحسها وترضعها،وتدافع عنها بكل ما في الأم من حنان،إنَّ حبّ الذئبة لجرائها لايقل أبداً عن حبِّ مريم ليسوعها،لأن عاطفة الأمومة واحدة عند الذئبة،وعند مريم.أما الشر فيمكن أن يضمر إذا حاربت أسبابه.الحب دائماً أعمق في النفس من شهوة القتال.في تاريخنا الجاهلي اشتهر عنترة بقوته،وبطشه،ومع ذلك نراه في منتهى الحب،وهو في منتهى التوتر القتالي،ولنستمع إليه،وهو يقول:
ولقد ذكرتكِ،والرماحُ نواهلٌ مـني،وبيضُ الهند تقطر من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوف لأنها لـمعتْ كبارق ثغــركِ المتبسّمِ
كان نهباً لشفار السيوف،وأسنّة الرماح،ومع ذلك جاءه بريد الحب عبر ذكرى عبلة بنت مالك،والتي كانت أشد حضوراً في وجدانه من السيوف والرماح القاطرة من دمه.إن حباً يحضر تحت قتام المعركة لهو جزء من النفس،وعنصر من عناصر تكوينها.ولنستمع إليه أيضاً في نفس القصيدة مخاطباً حصانَه:
فازْوَرَّ من وقــعِ القـنـا بلبانه وشكا إليَّ بعَبـْرةٍ وتحمحُمِ
لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ولكانَ لو علمَ الكلامَ مكلِّمي
لم أقرأ في أي أدبٍ إنسانيٍّ شعراً أكثر نفاذاً في الوجدان من هذا الشعر.إنّ حصانه يزْوَرُّ من طعن الرماح لشدة وقع آلام جراحها في صدره،وينحرف عنها اتقاءً لها،وليس لديه وسيلة للشكوى من آلام جراحه إلاّ دمعةٌ تسقط من عينه،وحمحمةٌ تستخرج أعمق ما في النفس من أحاسيس.حيوان يعبر بدمعته،وحمحمته عن آلامه المبرِّحة.ولنتصورْ العلاقة بين عنترة وجواده،حيث العلاقةُ بين المخلوقيْن أعلى من مرتبة الأخوّة،هويحسُّ ألمَ حصانه،ويدرك أنه يشتكي بحمحمته التي أصبحت لغة مفهومة في وجدان عنترة.هذا الحب هو ماظلّ من عنترة،وليس غزوه لتميم وقضاعة وكنانة.ولولم يكن لعنترة إلا هذه الأبيات لكانت تعدل ديواناً كاملاً لشاعر مجيد.
حين ننحاز للسلام إنما ننحاز للحبّ،وحين نتقاتل ننحاز للنار،ولابد من رفض نار الحروب في القلوب،وقبولها في المواقد فاكهة للشتاء.
الآن أنا أقدّم مجموعتي للطباعة،وليس فيها إلاّ أنا يومَ كتبتها بكل وفاء للكلمة،بتوتر الموقف أو ضعفه.لقد كتبت نفسي،ولم أكتب الآخرين.كتبت عنادي ومكابرتي،لأن الأسير بحاجة ماسّة للمكابرة ليستطيع التماسك في زمن الانهيارات الصعبة،قلت يومها في ظلموت الزنزانة:
يا رفيقي:
نحن لم نصرخْ أمام الآخرين،
لا لأنّا لانحسُّ القيد أو لا نتألمْ،
إنما لابدّ للإنسان في محنتهِ من أن يكابرْ.
أنا أقسمتُ بمنديلِ الحبيبةْ
أن يصير القيدُ في العرس أساورْ
كتبت ذاتي في تلك السنوات العجاف،يومَ لم يكن سميناً إلاّ إله الحرب،كنت أنقل نقلاً عن نفسي،ولا أزال أعتز بتلك المشاعر التي سجلتُها بصرف النظر عن الأفكار والمشاعر التي تدخل في الإنسان كلما تقدّم به العمر.سيرى قارئي العزيز من تاريخ كتابة هذه القصائد تحوّلاتٍ نفسٍ زادها الأسر إنسانية،ولم يقدر أن يخلِّف فيها بقعةً واحدةً من السواد.كنت أفرّغ نفسي في أواني الكلمات،وقد يرى القارئ ذاتيةً حادة تقرب من العنجهية في كثير من هذه القصائد،ولم تكن هذه الذاتية وليدة عجرفة أبدأ، لقد كانت ممزوجة بتجربة الشباب وعنفوانه،وكانت كما فهمت من نفسي بعد تكامل تجربتها واحتكاكها الخشن بالأشياء أن هذه الذاتية المفرطة كانت أهم وسائل الدفاع عن الذات أمام هجوم جيوش الهمِّ والعذاب.كانت الذاتية صرخة واحتجاجاً على الانهيار،ولذلك كانت تخفي خلفها ضعفاً مرعباً،قاومته بذاتية حادة.أذكر أني كنت مريضاً،ومذعوراً من عودتي إلى الانفرادي يوم خاطبت”دماوند”أعلى جبال إيران بقولي:
يكفيكَ أنكَ تحت رجـلي أيـها الجبـلُ الترابُ
عتَّقْتُ خمرَ الحزن في صدري فعربدْ يا شرابُ
أنا ذلــك العربــيُّ تعرفه شواهقك الغضابُ
كانت حوافـرُ خيلـه خضراءَ،والدنـيا يبـابُ
أعتقد أن أقوى إنسانٍ في الكون هو ذلك الذي يستطيع أن يتماسك في زمن الانهيارات الكبرى.وهذا التعالي على الجبل بالذات والقبيلة كان يومها ضرورياً لأبقى متماسكاً.
أهمية الكتابة أنها تعبِّر عن مشكلة الوجود بشكلٍ جماليٍّ يجعل الحياة مقبولة،وجديرة بالمجيء إليها والدفاع عنها،لأن دويّ الكتابة ينتشر منه عبير”نبتة الحياة”الخالدة،ولذا كنت أكتب للتخلص من فكرة العدمية،وللتخلص من ضعفي،كنت أصرخ لأوهمَ نفسي أنني لستُ وحدي،ولم يكن شعري غير ذلك الصراخ،الآن هذا الصراخ هو أنا،لأن الرائحة التي تبقى في الخابية بعد فراغها من الخمر هي الخمرة نفسها.وخمرتي يومها كانت مقدسة.وها أنا ذلك الشعر.ولم يستطع الألم الذي يسكنني أن يهبط بي أبداً.
إن الكتابة في الزنزانة كانت بمنزلة الاعتراف أمام الكاهن الأكبر،وكان ذلك يريحني لأن الاعتراف يزيل آثامي بحق نفسي قبل كل شيء.كانت الكتابة تقترب من فعل العبادة بهذا المعنى.
كنت أكتب لأعيش متوجهاً إلى مصباحي الداخلي بوجدٍ مبهمٍ،وأنا مسكونٌ بنهمٍ شرسٍ،وغجرية لاتستقر في مكان،وطفولة متمردة تمارس فعل الخيانة لكل ما هو صامت ومألوف.هذا يعني أن الالتزام في الشعر هو جماليته التي تحرّض على الفرح أكثر من الموضوع نفسه.الالتزام في الشعر هو القدرة على خلق الحالة،يعني إضافة حياة إلى الحياة.كنت أمارس الدخول أكثر إلى ما لاأعرفه مني.ويا لهول ما رأيت.أدركت فعلاً أن هذا الجـِرمَ الصغير ينطوي فيه العالم الأكبر كما رأى ذلك قبلي محي الدين بن عربي.إذن، ليس الموت غاية تقصينا!!ولو كان غاية فلماذا نزرع الآس حول القبور؟،ولماذا نزور موتانا،وننظف منازلهم باستمرار؟ولماذا نحتفظ بثيابهم،وكلماتهم التي لاتذهب معهم إلى الموت؟.
إن إنقاذ الإنسان من عذابه هي أخلاقية الأدب،وكلما ازدادت جماليته ازدادت قيمته الأخلاقية.
كلُّ القيم الكبرى تولّدتْ من ذلك الألم المظلم الذي يصرّ على اقتحام الضوء،وبتكرار التجربة يبدأ الألم والظلام بالتلاشي،ثم يبدأ الإنسان بالحلول في ذات الكون الكبرى بكليةٍ لاوجود فيها للألم ولا للذة،وقتئذٍ يصبح النور هو الحقيقة الوحيدة الموجودة،وهناك لايبقى حاجة للغة نفسها،لأنك في باب العارف الرائي لاتحتاج للكلام.والسائل لا يحتاج لساناً في باب الكرماء.كلّ الأشياء تبدو وقتها بلا حجاب.لأن الحجاب من صفات الطين.كلّ ما هو ترابيٌّ فيه ثنائية الموت والحياة،والله والشيطان،والجحيم والنعيم،والسالب والموجب في كهربائيةٍ تمتدّ من المشيمة للكفن.وهل حمل نوحٌ في سفينته من كلّ زوجين اثنين إلاّ ليهبط ثانية على الأرض التي لا تستقيم حياتنا بغير ترابيتها،ويبدو أن هذه الترابية هي التي تعطي كوْنيَّـتـَنا معناها الأسمى،عبر صراعٍ شرسٍ يكون لذيذاً وإشراقيـّاً بمقدار ما يكون التراب الذي يغلفنا سميكاً.وعندما أصر الشاعر الرمزي”مالارميه”على القول:”إن الجسد لحزين”كان الجسد فعلاً يشارك الروح في سموِّ تجربتها.إنّ إتلاف الجسد مقدمة لسموّ الروح،ولكن إتلاف الجسد لامعنى له بمنأى عن لذة التجربة،تلك اللذة التي تجعل الله في قلبك باستمرار،ولا يكون لك حضور في الأشياء إلاّ بمقدار حضور قلبك فيها.
إن الانفصال بين الإنسان وترابيته مستحيل.إن ألحان القصبة هي الغاب نفسه،وغناء البلبل هو البلبل نفسه،وعبير الوردة هو الوردة نفسها،ولذلك لايكون معنى للإيمان بغير حلول الله في الوجدان.الصراع مع الموت هو محاولة للاقتراب أكثر من الحياة.العدمية وقتئذٍ تصبح لاغيةً،وتصبح الأشياء التي ننتجها مرايانا بعد رحيل التراب وحده.إن الخلود الذي بحث عنه”جلجامش”ينبعث،ويصبح حقيقة في بناء “أوروك”العظيمة:
بنى أسوار”أوروك”المحصنة،
وحرَمَ”إي ـ أنـّا”المقدس والمعبد الطاهر
فانظر إلى سوره الخارجيِّ تجد أفاريزه تتألـّق كالنحاس
……..
أعلُ فوق أسوار”أوروك”،
وامشِ عليها متأملاً
تفحّصْ أسسَ قواعدها وآجرَّ بنائها
أفليس بناؤها بالآجرِّ المفخور؟
وهلاّ وضع الحكماء السبعة أسسَها
….
إبحثْ عن اللوح المحفوظ في صندوق الألواح النحاسيّ
وافتح مغلاقه المصنوع من البرونز
واكشف عن فتحته السرية
تناولْ لوح حجر اللازورد واجهر بتلاوته
وستجد كم “عانى جلجامش”من العناء والنصب
إنه البطل،سليل أوروك،والثور النطاح
ابن البقرة الجليلة”رمات ـ نُنسن”
لقد جاب جهات العالم الأربع،وهو الذي سعى لينال الحياة الخالدة.
عندما لم يستطع الإنسان أن يخلِّدَ جسده خلـَّد الأشياء التي خلقها لتكونه فانياً خالداً.
روْعتـُنا حين يصرّ التراب فينا على أن يصير سماء.
لـَكَمْ كان في تلك الظلمة قلوبٌ تضيء،حيث يصبح المرء شيخ الوقت والحكمة.وحده ذلك الضوء الساطع في الأعماق هو الذي ينقل الإنسان من مرحلة الإهمال المميت إلى مرحلة إعادة بناء ما تهدّم في داخله،ولذلك هو وحده الجدير بالاقتناء،وما عداه فليبقَ ذاكرةً للتراب المقيم.وحين يسطع الضوء تصبح المرايا ضرورية لرؤية ما خلف هذا المكان القاحل إلا من الخرائب المتصلة.إن”أوروك”صارت مرايا”جلجامش”. الحلم يصبح حقيقة.إن رؤيا يوسف هي زيت سراج نبوته.لقد رأى أحد عشر كوكباً،والشمس والقمر يسجدون له.هذه الرؤيا هي التي ساعدته على عدم الانطفاء في غيابة الجبّ،وهي التي جعلته يقضي في السجن بضع سنين بإشراقٍ لم يطفئْه ظلموت السجن” ..لا يأتيكما طعامٌ تُرزَقانه إلاّ نبّأتكما بتأويله قبل أن يأتيَكما،ذلكما مما علّمني ربي”إن هناك علاقة ذكية جداً بين الرؤيا والواقع في النفوس الكبيرة.وبهذا التواصل نستطيع رؤية الله،ونستطيع عبادته بحضور القلب.
لقد مشيت في الجنازة،ولم أقرع طبولاً جنائزية،مشيت ومعي ضوئي وحده،لقد علمني ضوئي أن أعرف طريقي،وعلمني أن أميز بين المنجم وعينيْ الثعبان البراقتين.لقد علمني ضوئي على اغتيال ظلامي.
ملاحظة غير مهمة:
كتبتُ هذه المقدمة بعد قصائد هذه المجموعة بعشرين سنة تقريباً، وأحياناً أكثر، حسبما تشير تواريخ القصائد.
عمر شبلي
تشرين الثاني/2005

1مارس

قراءة في كتاب عمر شبلي نفي الغياب/بقلم هالة ابو حمدان

قراءة في كتاب الأستاذ عمر شبلي:”نفي الغياب في رحلة الإياب”
الكاتب admin 0 تعليق

قراءة في كتاب الأستاذ عمر شبلي:”نفي الغياب في رحلة الإياب”
بقلم الدكتورة هالة ابو حمدان

للعرفان شأن خاص. هو حالة روحانية قلبية مجبولة بالإحساس والإشراق والكشف بعيداً عن مناهج الفلاسفة ومنطق الحكماء. والعارف هو “المنصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديماً بشروق نور الحق في سرّه” كما قال ابن سينا. والإدراك العرفاني يكون بالفؤاد والمعرفة فيه هي فيض نور من الله يشرق في القلب ليرى العارف جوهر الأشياء. العرفان هو سفر إلى الله مغموس بالألم، محفوف ومدفوع بالشك، ساع وراء اليقين.

إن قراءة كتاب الأستاذ عمر شبلي:”نفي الغياب في رحلة الإياب” لا تقل صعوبة عن قراءة قصيدة الشاعر محمد علي شمس الدين: “يوم الأحد الواقع فيه صمتي”. فالقصيدة، كما يصفها عمر شبلي، “قصيدة رؤيوية”، تتجلّى خصوصيتها وفرادتها في أنه يستحيل فهمها بالوسائل المعرفية العقلانية أو المنطقية اليقينية، بل لا بدّ من استشفاف معانيها من بين طيّات الكلمات، وتلمّس نبض ايقاعها من خلال الروح. فهي تلعب على وتر الأحاسيس وليس المعارف، وقراءتها تتنوّع بتنوّع قارئيها نظراً لتعدّد وكثافة الأبعاد الكامنة فيها.

هذه القصيدة الاشراقية العرفانية تدخلك في متاهة من الأحاسيس، وهي تدرَك بالقلب لا بالعقل، وتتجه إلى الروح بعيداً عن مادية الجسد. فهي تروي معراج القلب والروح الى بارئهما، وسعيهما إلى المطلق للتخلص من أدران الدنيا ومعاناة الشك. هذه الرحلة شابها الكثير من المعاناة في مواجهة العواصف النفسية وبحور الشك وغيوم الظلمة بحثاً عن النور الأعلى. هي تعبير عن صراع للخروج من سجن الطين من خلال رحلة الحرية والفناء في الخالق في ميقات من خمس دقائق من أيام الرب(78).
ومن أقدر من الشاعر والناقد الكبير عمر شبلي على سبر أغوار قصيدة تنطوي على مناجم من المعاني والأحاسيس. وهو الموغل في المعرفة النقدية، والمالك لثقافة موسوعية برزت في مقارباته ومقاراناته. وقد أبدع في دراسته لهذه القصيدة الاشراقية ومحاولة استشفاف بروق الاشراق في قسمات كلماتها الحدسية المدهشة، وذلك دون أن يستطيع عمر “الناقد” حجب عمر “الشاعر”. فقراءته للقصيدة كانت قراءة ناقد شاعر، وإحساسه المرهف كان يتفاعل مع كل إشارة في القصيدة ودراسته كانت قراءة شعرية بامتياز.

يقول عمر شبلي عن شمس الدين إنه “شاعر صعب”(58). فهذا النوع من الشعر عصي على التحديد والحصر، يفتح أمام القارىء آفاقاً واسعة ومتعددة. فأنت “لا تستطيع أن تحدّد معنى واضحاً لما تقرأ وإن كنت ممتلئاً به شعورياً”(148). لكن عمر شبلي الناقد يدهشنا ببراعته في تحليل رموزه وتفكيكه وتقليبه من كل جوانبه، ومقارنته مع قصائد أخرى لشمس الدين، ومع القديم والحديث من الشعر والأدب والفلسفة لدى العرب وعلى الصعيد العالمي.
ويشدّد عمر شبلي على أن المبهم في القصيدة ناتج عن كثافة الإحساس. وهذا المبهم هو الذي يجعلها حمّالة أوجه وقابلة للتأويل ويولّد لذّة مشابهة لسطوع البرق الذي يخلق الضوء من رحم الظلام.

والمميز في دراسة عمر شبلي هو استحضار البيئة التي نشأ فيها الشاعر وأثرت فيه وطبعت شعره بطابعها. من مئذنة القرية وآذان الفجر ومكتبة البيت المملوءة بالروح الإيمانية، مضافاً إليها “جروح أهل البيت النازفة عبر التاريخ في الوجدان الجنوبي”(32) وصولاً إلى مقاومة المحتل. ويرى الباحث أنه كان لالتصاق الجنوب بالأرض المغتصبة في فلسطين وبجراحها النازفة، وبمعراج الأقصى، ومعجزة المسيح في قانا، تأثير ليس فقط على القصيدة التي يدرسها بل على كامل النتاج الشعري لمحمد علي شمس الدين. فاستحضر عمر شبلي شواهد من القصيدة ومن سواها وحتى من مقابلات صحفية يتحدّث فيها الشاعر عن نفسه وعن تأثره بوطنه وقريته وبطبيعتها وثراها، بغيمها وصوت مؤذنها ومكتبة جدّه فيها، بمواويل سكينة وبالثرى الكربلائي الحامل لوجع الطفّ. يقول عمر شبلي إن الشاعر “ممتلئ بالمكان رغم سفره باتّجاه ربّه”، “ويصبح الجنوب هو المكان والشعر الصدى”(148).
يصف عمر شبلي محمد علي شمس الدين بأنه شاعر عرفاني بامتياز(51) كونه يؤمن ببدئية الحب. ويرى أن رحلة الشاعر إلى الله ليست إشراقية فقط، بل هي ملتصقة بقضايا الإنسان الكبرى المتمثلة بالحب والعدل، والإيمان بكليهما. فصوفية محمد علي شمس الدين كما يراها عمر شبلي، هي صوفية يشكّل الإنسان فيها مكمن الله وتجلياته(33). وشمس الدين بالنسبة لعمر شاعر ملتزم، فالأرض في شعره التزام “أخلاقي”(153) لا يصرفه عن السماء(153). وإشراقية شعره “لا تلغي غوصه في معاناة هذه الأمة المكلومة”(52). “فلا يمكن لشاعر أن يصبح كونياً إلا إذا انطلق من خصوصيته الداخلية”(153).
والتأثر بالدين لدى محمد علي شمس الدين كما يرى الباحث، هو عشق إيماني حميم، والحضور القرآني هو حضور إشراقي إيحائي بعيد عن التقليد والفقه وهو ينتمي إلى مدرسة الدين بمعناها الكوني (57).

ويشدّد عمر شبلي على الدهشة التي تجتاحك أثناء قراءتك للقصيدة. وذلك نابع من الحدسية التي تملأ هذه “الملحمة الروحية” كما يسمّيها. في هذه القصيدة مسعى حثيث للرؤية، لكن هذا المسعى محفوف بالحيرة والشك. إنها مغامرة “قتل الشك باليقين والظلام بالنور وتمزيق الحجب التي حاول عبرها الشاعر رؤية الحق عارياً بلا “حفنة من رماد القرى”.(ص 37)

يتبع عمر شبلي منهج المقارنة في تحليله للقصيدة. فهو يتناول شواهد من قصائد أخرى للشاعر من نفس المجموعة أو من مجموعات أخرى. كما يستشهد بأحاديث للشاعر نفسه لتدعيم وجهة نظره، كما بآيات من القرآن الكريم أو بأحاديث نبوية. فإذا كان الشاعر يبحث عن النور في غياهب الشك فالله هو “نور السماوات والأرض” كما في الآية الكريمة. فالشاعر يقول: “وتسلّل نحوي ضوء من ثقب الباب” ليعود ويسأل: “ضوء؟ لا، بل نور غلّاب”. ويتساءل عمر شبلي عن سبب استبدال الضوء بالنور، ويجيب بأن الله شبّه نفسه بالنور في الآية الكريمة، والنور هو “شمول كل شيء، أما الضوء فيحتمل وجود الظلام”(68). والوصول إلى مصدر النور غاية الروح التي ترفض السجن وترفض العدمية(79).

وإذا كان حضور القلب طاغياً في سفره نحو الفيض الإلهي، فهذا مماثل لما جاء في الحديث الشريف: “لا صلاة إلا بحضور القلب”. وقد حلّل عمر شبلي تأثير الرسول العربي لما “اختزنه من آفاق لانهائية”(174) على شعر محمد علي شمس الدين وقارن بين سعيه للوصول إلى الله وبين مكابدة الرسول محمد التي “كانت الأكثر صعوبة لطول المسافة بين المسجد الأقصى وسدرة المنتهى”(175). ويعرض لما جاء في قصيدة شمس الدين “الهجرتان”. فالنبي محمد هو راء، “رأى ما لم يره أحد، وسمع ما لم يسمعه أحد”(181) وهو البرق و”الضياء الواصل بين ألف الخليقة ويائها”(178).
والقصيدة مترعة بالعرفان، لذلك فإن الفعل “يرى” أو “أرى” هو المهيمن عليها وليس الفعل “أعرف” كما يلاحظ الباحث. “فالرؤية، برأيه، أعمق من المعرفة”(62). ويستشهد هنا أيضاً، كما في مواضع كثيرة من الكتاب، بآية من القرآن الكريم: “ما كذب الفؤاد ما رأى” ليقارن بينها وبين ما جاء في القصيدة. فقد استخدمت الفعل رأى وربطت الرؤيا والرؤية بالفؤاد. و”رؤية النبي محمد هي الحب وحده”، و”قلب المؤمن الرائي هو بيت الله”(66).

وتكثر الشواهد من سيرة الأنبياء. فبالإضافة إلى النبي محمد هناك استشهاد بنبي الله موسى وبالنبي ابراهيم. فيظهر عمر شبلي المشابهة بين الرؤية التي أرادها الشاعر وتلك التي طلبها ابراهيم الخليل وموسى كليم الله. ويوضّح كيف أن قلب الشاعر، تماما كما حصل مع النبي موسى، تنوّر حين سمع الصوت الآتي من الله. ومثله خرجت يده بيضاء من غير سوء وضرب البحر بعصاه: “ويدي بيضاء كغيمة\ وتأهبت لكي أضربها في عرض البحر”. كما تحضر بين كلمات القصيدة قصة موسى مع العبد الصالح: “كنا نمشي مثل صديقين\ولكنا منفصلان”. ويحرص الباحث على التأكيد على أن استيحاء القصص القرآني لم يجعل من الشاعر ناقلاً ولا مقلداً بل حافظ على ذاتيته وتفرّده.

يتجاوز عمر شبلي القصيدة متكئاً عليها لإثبات أن الفيوضات الإشراقية لا تختلف عن الفتوحات الروحية: “إنها تتجاوز العقل الذي لا يستطيع تحمّل وهج لهيبها”(41). من هنا ينطلق ليدرس نظريات الفلاسفة حول الشك وتساؤلات العقل. فبدأ بابن رشد ثم تناول نظرية ديكارت للخلاص من الشكّ عن طريق الفكر شارحاً مراحل فلسفته محاولاً المقارنة بين ارتباط الحق عند ديكارت بالبداهة وبين ارتباط الإشراق بالحقيقة الإلهية عند الرائي(41). فعند ديكارت تنتقل النفس من الشكّ إلى اليقين ثم تنتقل إلى الله وفي مرحلة ثالثة تهبط إلى العالم. وهو يقارن بين نظرية ديكارت وبين قصيدة “يوم الأحد الواقع فيه صمتي”.(42) ويستشهد أيضاً بفريدريك نيتشه الذي كان يحنّ إلى مصدر النور وبالغزالي الباحث عن المنقذ من الضلال(79).
يفرد عمر شبلي مساحة كبيرة في بحثه للشك الذي يعتبر أنه السبب الذي دعا الشاعر لخوض رحلته بحثاً عن الحق والحقيقة. وهو الرفيق الذي لازمه طوال فترة رحلته. هذا الشك يحمل عذاباً، ولم يبرأ الشاعر منه عن طريق تناسيه، أو “الغوص في أعماق ذوي الرغبات المدفونة” أو محاولة العشق… فكاد يصل إلى حدود اليأس. بالنسبة لعمر شبلي الشك دليل المعرفة والذكاء ويستشهد بقول “شوبنهاور”: “كلما كان الإنسان أقل ذكاء كان الوجود عنده أقلّ أسراراً”(42).
ولا يمكن دراسة الشكّ ومحاولة الوصول إلى اليقين المطلق دون التطرق إلى أبي العلاء المعرّي. وهذا ما قام به عمر شبلي عندما قارن بين معاناة المعري ومعاناة شمس الدين في كثافة ظلام الشك أثناء رحلته إلى “النور الغلّاب”.(43)
ومحنة الشك هي، حسب الباحث، ما دعا الشاعر لإهداء القصيدة لراء كبير هو أبو حامد الغزالي. وقد قارن بين شك الغزالي وفيوضاته وشك محمد علي في محاولة قطع المسافة بين الله والشك (61). فالغزالي يعتقد أن الإنسان المصنوع من حمأ مسنون لا يشفى من الشك إلا بنور يقذفه الله في صدره. وهنا تلفتنا ملاحظة لعمر شبلي ناقض فيها ما عرف عن اختلاف بين الغزالي وابن رشد. فالغزالي الذي انتقد الفلسفة في كتابه “تهافت الفلاسفة” تعرّض هو أيضاً للنقد من قبل ابن رشد في “تهافت التهافت” و”فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، فكان المفكران نقيضين، لكن عمر شبلي رأى تلاقيهما فقال إن “فيض الغزالي لا يبعد كثيراً عن عقلانية ابن رشد الذي كان لا يرى تنافراً بين تساؤلات العقل وإشراق الإيمان”(41).
المقارنات مع كبار الرائين متعددة. برأي عمر شبلي يشترك الشاعر مع جلال الدين الرومي في كثير من الأمور منها أن “الزمن وهم” حيث يمكن اختصار سبعين سنة من العمر بخمس دقائق من أيام الرب. ويستشهد بمقولات جلال الدين الرومي عن “أذن الروح” و”أذن القلب”. وباعتقاد عمر شبلي، كما “أطلق شمس التبريزي جلال الدين الرومي من محدوديته ليصبح فانياً في عشقه الأكبر” و”جعله شاعراً رائياً”، فقد كان قلب محمد علي شمس الدين في رحلته إلى الله بمنزلة شمس التبريزي لجلال الدين الرومي(96). والشاعر، حسب الباحث، هو مثل ابن عربي يؤمن بوحدة الوجود من خلال اختياره ليوم الأحد كرمزية ليوم الربّ. وهو ما أفرد له الباحث مساحة كبيرة واعتبر أن القصيدة تقترب كثيراً بإشراقاتها من “الفتوحات المكية” لابن عربي(67). كما قارنه بالحلاج في التعبير عن قسوة المكابدة ومشقة تحمّلها وشهوة الموت التي تعادل شهوة الحياة نفسها(104).
لا يقلّ عمر شبلي عن محمد علي شمس الدين في نزوعه إلى الصوفية والعرفان، المغلّفين بأحاسيس مرهفة لشاعر بالفطرة. الرؤية عنده مطلوبة للإيمان مستشهداً بالحديث الشريف: “أُعبد الله كأنك تراه” وبقول جلال الدين الرومي: “لا تعبدوا حتى تروا”. الرؤية حسب عمر شبلي هي السبيل لإزالة الشك، وهي البرق الذي يشق ظلام الغيمة، وهي التي تحوّل الخوف إلى حبّ بفعل كيمياء الإيمان: “في البدء كان الحب”(75)
ويرى عمر شبلي أن محمد علي شمس الدين قد أضاف للفعل الإيماني في هذه القصيدة وأراد تأكيد أن الشعر في غايته لا يختلف عن النبوة، فكلاهما يغسل الروح ويجلو صدأها(85). ويؤكّد شبلي أن الشاعر قد برهن على أن “الشعر يستطيع أن يعالج أعمق الأفكار دون أن يتخلّى عن ألقه الجمالي الذي يعليه على الفلسفة، ويقرّبه من مفهوم الصلاة الوجدانية التي تخاطب الروح وتتقدّم على العقل”(88). ويعتبر أن ما تفرّد به محمد علي شمس الدين هو حفاظه على جمالية الشعر دون أن يطفئ العرفان. ويرى أنه نادراً ما عرف الشعر العربي عرفانياً كبيراً في شاعر كبير. لكن قصيدة “يوم الأحد…” هي لوحة تكامل فيها الشعر مع العرفان(89). وما يميّز محمد علي شمس الدين هو تفوّقه شعرياً على الصوفيين. فإذا كانت لغة هؤلاء حدسية برؤاها الداخلية، فإنها أصيبت بالنثرية أحياناً كثيرة(161).
يتطرق عمر شبلي في جزء كبير من دراسته لتأثير الحب والعشق على شعر محمد علي شمس الدين بصورة عامة وعلى القصيدة بالذات. لا بل هو يرى أن “العشق وحده هو لغة هذه القصيدة”(45). هو”عشق قاتل”(52) حيث “يسكب العمر كلّه في لحظة حبّ وقتل شهيين إلى حدود امّحاء الفواصل بين الحب والقتل”. ويتجلّى عمر شبلي شاعراً أكثر منه ناقداً في حديثه عن الحب والعشق. “في البدء كان الحب”. و”العشق هو إشراق الله فينا”(167). “الحرية والحب هما بقية الله فينا” وبالحب “يحمل القتل معنى الإحياء، لأنه انتقال من حال متدنية إلى أعلى… فحين يقتلك الحبيب يحييك”(104). ويستخدم عمر شبلي مع العشق كلمة “مكابدة” فيقول: “إن مكابدة العشق لذيذة كولادة الأم، وقاسية كولادتها أيضاً، وقطع المسافة فيه مشقة ولوعة وتحرق ومكابدة”(105).
العشق بالنسبة لعمر شبلي هو إشراق الله فينا(167)، ومعناه “السفر إلى الله ومحاولة الحلول في وحدة لا نقائض فيها”(109). ويستنتج أن العشق وحده هو الأساس في “النازلون على الريح” وما عداه هو توطئة له(109). “العشق يحمل سرّ الرؤيا… وهو وحده دين هذا الوجود”(110). و”لصعوبة رحلة العشق ولذّتها يكون العشق دائماً في نهاية الرحلة مصحوباً بالقتل الذي معناه الاقتراب أكثر من السدرة”(111). القتل في العشق هو تحرير الروح من ترابيتها(120). “إنه القتل المحيي الذي تصحبه لذّة الوصول إلى ذات الحبيب”(111). الحب هو مصالحة بين الجسد والمقدس(113). من هنا، “فالمرأة بداية رحلة الحب، وهي محطته الأولى، ثم تتسامى لتغدو الكون كلّه”(114). حتى الخوف ينسحب عند الوصول إلى حمى المحبوب(119)، “والأمن من الخوف أعلى درجات السعادة”(143). “الحب يمنع وصول الظلمات إلى الذات العاشقة، فالحب ضوء إذا سطع في وجدانك رأيت الله”(142)، فالله هو الجمال المطلق. يقول: “الجمال هو صفة الخالق العليا، وكل إبداعاته تتكوّن من الجمال”(127).
ومن العشق والحب لا بدّ من الوصول، حسب تعبير عمر شبلي، إلى “عصمة الجمال التي لا تخترقها الآثام… وأروع العشق هو القتل بأيدي الملاح”(121)، و”للجميل أن يعيش كما يريد”(123)، والعشق هو الضوء الذي يكشف الجمال(124). هذه الأمثلة التي وردت هي دون شك لسان حال عمر الشاعر لا عمر الناقد.
غزارة الثقافة عند الباحث أغنت الكتاب بشواهد عديدة من التراث العربي والعالمي. فبالإضافة إلى المتنبي الذي يكاد لا يغيب بين صفحات الكتاب، يستشهد بالنفري وبودلير وبدر شاكر السياب وايليا أبي ماضي والبحتري وأبي تمّام والجاحظ وجميل بن معمر وأبي النواس، ومالارميه، وبودلير، وقيس بن الملوح، وعمر أبي ريشة، ودستويفسكي، واوسكار وايلد، وألبرتو مورافيا، والبحتري وديك الجن الحمصي. ويقارن الباحث رحلة محمد علي شمس الدين برحلة “جلجامش” الذي حاول جاهداً الدخول في محفل الآلهة بحصوله على عشبة الحياة من أعماق مياه الموت العميقة(134). هذا الغنى والتنوع في الشواهد من الصعب والنادر أن تلقاه عند غيره من الباحثين.

وربما يمكننا أن نعزو هذا التنوع إلى ما نقله عن الشاعر نفسه من أن تكوينه لا يقتصر على ناحية معينة، بل هو مكوّن من روافد متباعدة. فمحمد علي شمس الدين يؤكّد أن من مكوّناته المتنبي، وشك أبي العلاء المعري، و”فتوحات” ابن عربي، وذاتية ديك الجن الحمصي، جبران خليل جبران، غارسيا لوركا، أنطونيو ماتشادو، الرسام سلفادور داللي. وهو لم يسمّهم مكوّنات بل الأسلاف ليقول إنهم “علّموه ولكنه لم يكنهم”(173).
العنوان نفسه كان له نصيب وافر من الدراسة، فيتساءل عمر شبلي عن السبب الذي جعل الشاعر يرفع كلمة يوم (المضاف إليها كلمة الأحد) على الابتداء. فالشاعر حسب رأي الأستاذ عمر أراد إبعاد الظرفية عن “الأحد” لأنها تلغي أزليته، و”المبتدأ يعني الأول ويعني المسند إليه فعل كل شيء، والأحد يعني الوحدانية”.
يقول عمر شبلي إن الغيوم في شعر محمد علي شمس الدين تستحق وحدها دراسة ذات إشارات ودلائل ويرى أنها تعني ظاهرة التشرد الذي يجتاح كيانه. وربما كان الغيم “أحلاماً تتكوّن من جديد كلما تلاشت، وربما كان تعبيراً عن هذا الشعر الذي يزجيه شكّ حاد”(163). وهو يركّز على معنى التشرّد في قول الشاعر: “شرّدني هذا الدوران”، فيشرح أن “هذا التشرّد مبعثه أن هذا الحب الكبير لا يمكن أن يتّسع له جسد واحد، فكان التشرّد غربة للبحث عن جسد يتّسع لكل حب…والتشرّد ضروري للتقصي”(131). “الشرود هو محاولة الإقامة في الآتي”، “ففي الإقامة كساد داخلي يشبه العقم”(138).
بعد فصل أول بعنوان “معارج الطين من الشك إلى اليقين”، ننتقل إلى فصل ثان يدرس فيه الباحث “حدسية الصياغة ووميض الرؤيا”، فيتناول اللغة الحدسية في شعر محمد علي شمس الدين التي تصيب القارئ “بلذة الوميض المتعدّد الدلالات”(146). ويشير إلى أن معظم شعر شمس الدين “يتكئ على صياغة حدسية لرؤيا”، و”الحدس، كما يقول، هو في حقيقته صيرورة تعتمد على إضاءة اللحظة وموت لمعانها بسرعة لأن العين لا تحتمل غزو البرق المستمر”. هذه اللحظة رغم قصر عمرها إلا أنها تمتلك عمراً أزلياً لا يدركه الفناء”(147).
ويشهد عمر شبلي على أن هذه الحدسية متولدة من “موهبة حاذقة” ومن “وجد صوفي متحدر من جنوبه الممتلئ بالدموع”(147). والحدس قد أعطى الشعر مدى لا يحدّ وأخرجه عن المألوف… وهو يحتاج إلى قدرة إيمائية عالية وإلى مهنية صياغية تحول هذا الحدس إلى كلمة. لكن الوقود المحرّك للحدسية هو العشق(150). “الحدس اكتشاف لأنه ضوء، وصاحبه راء بامتياز”(165).
والشاعر، كما يقول عمر شبلي، “يحمل همّا سياسياً بالحدسية” دون الوقوع في الآني في السياسة وفي غائيتها ومحدوديتها. هذه الحدسية هي التي حوّلت فلسطين في قصيدة “البرتقالة” إلى طائر مقدس فيه روح الله، وحوّلتها إلى برتقالة، وطفلة لم يدركها الهرم لتجدّدها في شهادة أطفالها(155).
وقد أفرد الباحث فصلاً مستقلاً لدراسة “التجربة والتراث في شعر محمد علي شمس الدين”. يقول إن الأثر القرآني واضح “كأجلى ما يكون في الرؤيا والمحتوى”، لكن شعر شمس الدين ابتعد عن النقل والاقتباس بل “امتزج بالتراث مزجاً إبداعياً”(168).
وبرأي عمر شبلي، فإنه برغم إعلان محمد علي شمس الدين أنه لم يكن يوماً ايديولوجياً فإن شعره يدلّ على ارتباطه بقضايا وطنه وأمته. فيقول شبلي عن الشاعر إنه “كان ايديولوجياً بمعنى انتمائه لأرض بعينها ولأمة بعينها، يناضل من أجل تحريرها ومن أجل ربطها بإنسانية تاريخاً ماضياً ومستقبلاً”(170). ويضيف أن “ليس هناك شاعر مبدع بلا باعث ايديولوجي”(171).
للشاعرين الكبيرين أبو الطيب المتنبي وحافظ الشيرازي مكانة خاصة في الكتاب الذي بين أيدينا. ففيه استحضار كثيف للمتنبي وإشارة إلى ما له من تأثير عميق في شعر كلا من عمر شبلي ومحمد علي شمس الدين . كيف لا وعمر قد حفظ شعره منذ نعومة أظفاره، وكرّس له دراسات نقديّة قيّمة وللمتنبي أيضاً تأثير كبير على محمد علي شمس الدين باعترافه هو وله قصيدة عنوانها “أبو الطيب المتنبي”.
أما حافظ الشيرازي، فقد قام عمر شبلي بترجمة شعره إلى العربية شعراً وهو ما يدلّ على مدى اهتمامه بهذا الشاعر العرفاني. وقد أفرد في الكتاب فصلاَ خاصاً للمقارنة بين الشيرازي وشمس الدين خاصة وأن هذا الأخير يعترف بأن الرؤيا الحافظية للكون جذبته إليها، لكنه أسّس عليها نصاً يخصّه، سمّاه “شيرازيات”.
يقول عمر شبلي إن هناك شاعرية عالية تجمع هذين الشاعرين بأبعادهما الروحية. فكلاهما له منحاه في الرؤيا ونقل الحال، لكن كلاهما يسير في رحلة باتجاه الله. “كلاهما طريقه قلبه، وكلاهما مؤمن بكونية الايمان، وكلاهما يؤمن بقوة السلام في صنع الأشياء الخالدة”(193). كلاهما متعلق بالمكان حتى العبادة: الجنوب للأول وشيراز للآخر. ويلتقي الشاعران في الحيرة التي تسبق الدخول في الحال. فالحيرة عند الشيرازي هي علاقة القلب العاشق وسرّ انجذابه إلى من يهوى. وحيرة محمد علي شمس الدين تتجلّى في تشرّده وشكّه.
ويبرز أيضاً نقاط الخلاف بينهما. فإذا كان حافظ قد استخدم التقية مع الغزاة، فقد كان محمد علي في طليعة المواجهة بشعره المقاوم. وقد كانت التكية هي المكان الإشراقي لدى حافظ، لأنه يتعامل فيها مع خمرة الروح. بينما كانت شرفة البيت عند محمد علي هي المكان لرؤية الفجر القادم بالنور والرؤيا.
والقسم الأخير من الكتاب كرّسه عمر شبلي للمقارنة بين هذه القصيدة وقصيدة آرثر رامبو “النهر السكران”. والحقيقة أن هذه المقارنة تدهش بكيفية التقاط الباحث نقاط التشابه بين قصيدتين متباعدتين إلى هذا الحد. فيرى أن القصيدتين هما رحلتان داخليتان باتجاه المطلق رغم اختلاف المشارب الداخلية، وهما تشتركان في “محاولة التقاط اليقظة المضيئة في ظلمات المعاناة”(225). كما تشتركان بالحدسية العالية وفي البحث عن طريق للخلاص من الضياع الناتج عن الشكّ المعذّب. في القصيدتين حضور عنيف للبحر الذي يرمز إلى ضياع الموانئ وإلى المعاناة والمكابدة. لكنه عند رامبو رحلة صاخبة لتجاوز مادية أوروبا… هو رحلة المطهر.
كلا الشاعرين ترك الطيور ترافق الرحلة المائية استبشاراً بانتصار فكرة الطوفان التي تغسل الأرض من أدرانها. لكن طيور محمد علي كانت طيوراً ابراهيمية لطمأنة القلب القلق، بينما كانت طيور رامبو من ذهب(237).
كلتا القصيدتين تدخل في الأدب الإشراقي. لكن رامبو كان تعبيراً مناقضاً لأوروبا التي كانت تعتنق العقل المفتقر لومضة الإيمان. فهي نقيضة روحه المشتعلة بلذّة السفر إلى الشرق الراقد تحت الشمس.
دراسة عمر شبلي أضاءت بحرفية عالية على لا نهائيات النص الإبداعي لمحمد علي شمس الدين، وأوضحت كيف استطاع الشاعر من خلال شحن الكلمة بإشارات يصعب حصرها، إخراجها من قاموسيتها. كما أوضحت الجوانب المتعددة للمعاني الإشراقية والفلسفية لهذه القصيدة العصية في كثافتها.
4 أيلول

1مارس

البكاء لم يخلق للأحرار

مقابلة أجرتها نسرين بلوط مع عمر شبلي في جريدة الجمهور

الثلاثاء/1 أيلول 2015

الحياة لا تُعاش بلا معاناة

-T
+T
«مَن يفتح باب مدرسة يغلق باب سجن»… بهذه الكلمات لخّص الأديب والشاعر فكتور هوغو منافذ السجون التي ترسم دائرة النور نحو الحرية. فرغم سجنه المرير طوال 20 عاماً في ايران، تألّق الشاعر والناقد عمر شبلي في غوصه الماورائي والفلسفي في سرّ الحياة ومعنى الموت، وكأنّه نسج من عبودية السجن وجودية الكون وبلورها في إطار مذهَّب من الصمت العجيب الذي يحلّل كلّ شيء من دون نطق.
• لماذا أسميت مجلّتك المنافذ؟

– التسمية دائماً هي تعبير عن حالٍ داخلية في الانسان، ولفظة المنافذ هي فتحات في جدار الزمن والمكان هذا الشيء هو نتيجة حياتي والتي يبدو أنّك عرفت شيئاً منها فقد كانت مغلقة وقد أحببت أن افتق رتق هذا الجدار الزمني الصعب فكانت محاولات أنى التفت وانى اتجهت أراني أمام ذاتي أحاول أن أعبّر عن هذه الذات بتلقائية وصدق، ولا استطيع التهرّب منها وكأني حملت سجني بعد خروجي منه، ولكن هذا الحمل فيه كثير من الحرية لأني أعبّر براحة عن كلّ هموم تلك المرحلة وعن لذة المعاناة فيها وصار واضحاً لديّ بعد هذه التجربة الطويلة أنّ الحياة لا تُعاش بلا معاناة، وهي أشبه بعمر الصخرة التي يمرّ عليها الزمن ولا ينبت عليها شيء.

وكانت المنافذ الثقافية محاولة للإضاءة على عالمي الداخلي الذي تغيّر كثيراً بعد هذه التجربة لأنّ التجربة التي لا تغيّر الانسان إلى الأفضل وإلى الأعلى تكون تجربة دونية وقد حاولت أن أستجيب لنزعتي الذاتية التي جعلتني أرى الكونَ بمنظارٍ أشمل وأعلى من خلال محاولة وجود إنسانية بلا حدود وبلا طوائف وبلا مذاهب.

• هل ما زال يسكنك عشقُ بغداد أم أنه توارى وراء ذكريات محزنة؟

– ليس المقصود ببغداد النظام، فبغداد هي دار الحكمة وعاصمة المأمون هي عاصمة هارون الرشيد الذي كان يخاطب الغيمة… يوم كانت بغداد تنتج كتباً وفكراً، هذه هي بغداد التي تسكنني ومن المؤسف جداً أن يُقتل هذا المعنى لبغداد.

يعني بوش لم يقتل النظام قتل روح بغداد ولكنّ بغداد لها قابلية كالعنقاء للتغلّب على خيباتها. أنا تعلّقي ببغداد لأنها امتداد للتاريخ الذي نؤمن به جميعاً. فنحن نقتات على موائد أفكار أدبائها الكبار، ويبدو أنها تعلّمت من نهرها أن تبقى جارية باستمرار. وفي القصيدة تجدين أني مع بغداد التاريخ والعرب والثقافة والانسان فقط. وأنا أحب دمشق وبيروت بالمستوى نفسه.

• تتخبّط في كتاباتك في صراع الحياة والموت، لماذا هذا الهاجس المدوّي للحياة والموت عندك؟

– عندما يمرّ الانسان بتجربة صعبة تنفتح ذاته الداخلية للأسئلة الكبرى في الكون. فالانسان العادي مشغول عادة بحيثيات آلية تمرّ بسرعة، حتى إنّ المشهد البصري يفرض عليه باستمرار أن يتغيّر وأن يبتعد من الماورائيات والأشياء البعيدة، وأنا قضيتُ زمناً طويلاً وحدي وعندما يكون الانسان وحده يكون أكثر غوصاً في الداخل.

وأنا أمام هذه الحالة كنتُ مشغولاً بقضية الحياة والموت وليس الموت بمعنى نهاية الجسد إنما غاية الحياة والموت والانسان كلما تخطى أكثر العادي والعابر وفي حياته كلما اقترب أكثر من الله. هذا الهاجس هو نتيجة التفكير الحاد والعميق الذي ينتاب الانسان حين يكون مغلّفاً بالوحدة.

• هل أغدق عليك شعر أبو فراس الحمداني ذاك الحنين الذي يصحبُ لجج الابحار في أوزان الشعر وهل تأثرت به حدّ التوحّد؟ وماذا عن المتنبي ودوره في حياتك الفكرية والادبية؟

– أبو فراس الحمداني عانى المعاناة نفسها وسُجن 3 سنوات وأنا سُجنت فترة أطول والسجن هو مصادرة حرية الانسان وهي أصعب من مصادرة الخبز لذلك عندما نرى أبا فراس الحمداني يناشد الحمامة ويقول لها «تعالي أقاسمك الهموم تعالي».. وأعتقد بأن البكاء لم يُخلق للأحرار بل خُلق للمسجون.. وفي سجن الشاعر أبو فراس كان يذرف الدمع الذي كان يكابر أن يُظهرَه للآخرين.. وقد كتب قصيدة في هذا.

اذاً روعة الانسان أن يستطيع التماسك أمام الفجيعة ولكنه عندما يخلو لذاته لا يستطيع ذلك.. ولهذا تأثرت بتجربته وكبريائه.. وأكثر ما يستيقظ في داخل الانسان هي الأنثى كروح ووجود في سجنه الطويل وقد ناجى هو الأنثى في وحدته وسجنه كثيراً.. أما المتنبي الذي هو أبو الجميع فقد كتبت عنه كتابين عن شخصه وحكمه.. روعة المتنبي تكمن في أنه شاعر الحياة بمعنى أنه هجم على الكون والحياة وتعارك معها وأخطأ وأصاب.

وقد انصرف عن التفكير بالغيبيات.. وقد كان يقاتل الروم وبعض العرب من الخلف يطعنونه.. وهذا الاحساس جمعني فيه.. وقد جاء ديواني «أيّ خبز فيك أيها المطر» كتعبير عن حالة الألم التي نعيشها داخل سجننا.

• بعد 20 سنة غياب عن الوطن، هل تغيّرت ملامح الوطن بالنسبة لك؟ وماذا عن حركة الابداع فيه؟

– بيروت كانت معي في سجني بكلّ تفاصيلها وعندما عدتُ إلى لبنان وكان البناء قد غزا بيروت بشكل عجيب صرت افتش عن الشوارع القديمة التي لم يغيّرها الزمن في غيبتي وكنت اشعر بحاجة ملحّة للبكاء وعندما نزلت من الطائرة بعد عشرين سنة من السجن شاهدت جميع الناس يحملون مسدسات على خواصرهم، ولكني عرفت بعد هذا بأنها أجهزة خلوية وليست مسدسات فشبّهت نفسي بأهل الكهف.

أما الابداع فيبقى مبشّراً لأنّ أهمّ عباقرة التاريخ نبتوا في ظلّ التخبّط والمعاناة. والمبدع يزداد حريقاً كلما شعر بالمعاناة والحسرة. والإبداع لا يُقفر ولكنه ليس مطروحاً على الطريق فالمبدعون قلائل ولكنهم موجودون و»مَن غربل الناس نخلوه» كما قال الاديب ميخائيل نعيمة.

• ترجمت أشعار حافظ الشيرازي وسبرت صوفيّته بروح عربية وليست فارسية فهل أثرى هذا قصيدته وأغناها بروح الشرق؟

– حافظ الشيرازي ترجمتُ له خمسمئة قصيدة وكتبتُ كتاباً نقدياً عنه بعد أن عُزلت وحدي في السجن أوّل عشر سنوات، وكان معي القرآن وهو مترجم للغة الفارسية وهكذا تعلّمتها كلغة أدبية. ثمّ بعد هذا نُقلت الى سجن آخر حيث زوّدني آمر المعسكر بكتب الشيرازي وكان انسانياً لدرجة كبيرة امتنعت معها أن اكتب أيّ شيء سلبيٍّ عن تجربة السجن احتراماً لمثل هذا الانسان. الشيرازي كان صديقي في سجني الطويل.

1مارس

مناضل في الزمن المكسور/ عمر شبلي/ بقلم سليمان الفرزلي

IMG_5209IMG_1870

مناضل الزمن المكسور/بقلم سليمان الفرزلي
… الشيء الذي أحدث تحوّلاً ملحوظاً في نفسي خلال تلك المرحلة القلقة والحرجة هو تعارفي مع المناضل البعثي البقاعي الشاعر عمر شبلي. فكان تعارفي معه من العوامل التي عزَّزت ثقتي بالمستقبل، بالإضافة إلى أن ما كان يشيعه ذلك المثقف المناضل المليء بالنضج والثقافة والتفاني والمحبة للناس وللحياة حوله من حركةٍ ودأب، شجَّعني على الانخراط في جهود بعضها محفوفٌ بالمخاطر، مما أعطى معنى لإقامتي بهويّة مستعارة أصدرها لي لتسهيل الإبحار في تلك البحور الطائفية البغيضة، الأمر الذي أضفى على تلك التجربة ما يمكن وصفه بأنه نوعٌ من المغامرة.
وعمر شبلي لمن لا يعرفه هو شاعر رقيق لا يتردَّد لحظة في التضحية حتى بحياته من أجل معتقداته الهادفة إلى إحياء الثقة بمستقبل الأمة العربية كأفقٍ لا محيد عنه، يحتقر الطائفية والطائفيين ويؤمن بقيمة لبنان النوعيّة كقوة دافعة في العالم العربي، وفي أحلك الظروف وأقسى الاختبارات لم يغادر ولو للحظةٍ واحدة إيمانه بقوّة المحبة بين الناس بمفهومها الإنجيلي الحقيقي. وقد كتب ذلك في مقدِّمة ديوانه الشعري الذي صدر له بعد إطلاقه من الأسر الإيراني الذي قضى فيه تسعة عشر عاماً، منها عشر سنوات في السجن الانفرادي، بعنوان ” العناد في زمنٍ مكسور” .
في تلك المرحلة كان عمر شبلي صديقي ورفيقي ومؤنسي ومحاوري وشقيق عقلي وروحي، وقد ساعدني كثيراً على تبديد القلق المتراكم في نفسي من حالة الجنون التي عصفت بلبنان واللبنانيين، والأهم من ذلك على ضرورة الحفاظ على العقل والعقلانية وسط الجنون العام. ولهذا كنا نلتقي سويّاً كل يوم، حتى في المهمات الصعبة والخطرة، وبقي صامداً كالطود في أحلك الملمات وأصعب الظروف. دائم الابتسام، حاضر العبارة، واضح الخطاب، لا يعرف الخوف أو الملل أو التقاعس. ويمكنني أن أقول إنه تعلَّق بي وتعلَّقت به فأصبحنا صديقين شقيقين أو توأمين.
وفي التاسع من شهر تشرين الأول/أكتوبر من عام 2003 عندما التقينا لأول مرّة منذ ثلاثة عقود تقريباً وتناولنا الغداء سويّاً في مطعم على البحر بالقرب من منزلي القديم على الروشة، وأهداني نسخة من ديوانه ” العناد في زمنٍ مكسور ” وكتب عليه الإهداء التالي:” الغالي سليمان، قبل سبعٍ وعشرين عجافاً التقينا عل حافة الحلم وما زلنا… رغم النوم الثقيل، مع حبي الكبير”.
هذا الديوان الذي أهداه عمر شبلي إلى ” كل السجناء الأحرار في العالم”، وإلى كل الذين يعطون ولا يأخذون،” لأن أرواحهم لا تجوع إلا للنور”. قرأته في لندن أكثر من مرّة، وخصوصاً تلك المقدّمة النبيلة التي يحكي فيها عن تخرُّجه من مدرسة الفقر في مسقط رأسه، بلدة الصويرة البقاعيّة. تلك الومضات من مقدِّمة الديوان تصلح عناوين ليافطات ترفع فوق رؤوس الناس ” الخارجين من مستنقع النفايات والوصاية” على حدِّ تعبيره. ومن تلك الومضات قوله:” كنّا فقراء إلى حدٍّ لم يكن أحدٌ أغنى منا”. أو قوله بأنه على الرغم من الفقر ” كنت ممتلئاً بحسٍّ غامرٍ بأن العلم يقذف في روحي قذفاً”. ويصف حياته القرويّة في تلك المنطقة المجاورة لجبل الشيخ:” كانت القرية هي الدنيا، وكان جبل الشيخ أكبر ما في الكون”. لكن قوله في الفقر هو لب الموضوع وبيت القصيد:” كان الفقر معلِّماً نبيلاً، كان يُغري ويُعذِّب، عشنا سنوات عجافاً ومع ذلك لم يكن الحرمان يشدُّنا إلى جهنّم الشر، وإنّما كان يُغرينا بالكدح. للفقر قدسيَّة عجيبة حين تلبسه الأرواح الجائعة إلى النور. كان مُعلِّماً قاسياً ولكننا ألفناه، لم يحوِّلنا الفقر لصوصاً، بل أعطانا قنديلاً للدخول إلى الأكواخ الفقيرة وإدمان الجوع مع أصحابها، والإحساس المُشترك بالترفُّع عن الدنايا. لم يكن الفقر قدِّيساً ولكن كان مُعلِّماً. لقد غسل أعماقنا من الدناءة التي يجلبها الإقطاعي، وهو يأخذ نصف محاصيلنا، مع أنه لا حُفر في يديه ولا شقوق، ولا أشواك شبرق وبلاّن. كان يأكل بلا تعب، وكنا نتعب ونجوع. وأعتقد أن هذه الرؤية المُرَّة للواقع هي التي حرَّضتني على الانتماء السياسي الحاد الذي قذفني باتجاه مواقع كل البائسين في وطني وأمَّتي لأشاركهم محاولة قهر الفقر. كانت وحدة القرية في مآسيها وأفراحها أوِّل مُعلِّم سياسي لي دفعني إلى الإيمان بوحدة الوطن والأمَّة”.
والشقّ المُكمِّل لصورة الفقر التي رسمها عمر شبلي هو الحب بمعناه الإنجيلي الذي فيه خلاص العالم. ومن ذلك قوله:” الفقراء يُحبُّون أكثر من الأغنياء لأنهم جائعون، بالحب تكتمل المعجزة، وبالحب يصبح الطين روحاً، وبالحب تُنحت أجمل التماثيل. وحده كان البرهان على الخلود. وها هي حضارتنا الراهنة تسير باتجاه الانفجار المُدمِّر لأنها تفتقر إلى الحب. لا بدَّ من الحب لمنع دمار الإنسانية. يجب العودة إلى الإنجيل، وإلى محي الدين بن عربي، وإلى قيس بن الملوَّح، وإلا فقدت الأشياء مسوِّغات استمرارها”. أو كما قال في واحدة من قصائده :” لأن الحبّ لم يهرم بقلبينا، فإنّا لم نزل أحياء”.
الحب هو الذي جمع بيني وبين عمر شبلي على المستويات كافة. ولذلك ترافقنا طوال النهارات والليالي في تلك الحقبة البائسة من تاريخ وطننا. وبعد مغادرتي بيروت بعدَّة أشهر، وكنت يومها أعمل في مجلة ” الدستور” تلقَّيت منه رسالة يدعوني فيها إلى العودة مهما كانت الظروف والاعتبارات، مع علمه بأني لست من نوع المقاتل الذي يفرُّ من المعركة ساعة احتدامها، لكنه من النوع الذي يؤمن بأن “البحر آخره على بيروت” على حدِّ تعبيره. لكننا تواصلنا تالياً بطريقةٍ أخرى، فقد علمت في عام 2004 أن له ابنة متزوِّجة تعيش في لندن اسمها ” فنن “، غادرها إلى الحرب وهي بعد طفلة فنشأت وكبرت في أثناء غيبته الطويلة أسيراً لدى الإيرانيين، وكنت يومها مريضاً قيد العلاج من السرطان في الحنجرة، فجاءت إلى زيارتنا في بيتنا وفي يدها باقة من الزهور، وكأنها مطبوعة على يد والدها الذي لم تعرفه في مرحلة نضجها. وكان قد ترك خلفه أيضاً زوجة صابرة وابناً لم يعرفه إلاّ بعد عودته من الأسر.
ولا بد هنا من ذكر مصير عمر شبلي بعد سنوات قليلة من غيابي، حيث تطوَّع مع مجموعات كبيرة من البعثيين من لبنان والبقاع ومن كل أنحاء العالم العربي للقتال إلى جانب الجيش العراقي في الحرب العراقية-الإيرانية. وقد أسره الإيرانيون مع مجموعات كبيرة من رفاقه عام 1982، وبقي الأسير الوحيد غير العراقي في السجون الإيرانية لأنه رفض التوقيع على التعهُّد المعروض عليه لقاء الإفراج عنه، كما فعل آخرون. لكن في الزيارة الرسميّة التي قام بها الرئيس إميل لحّود إلى طهران عام 2001 طالب الرئيس اللبناني به فأفرج عنه إلى بيروت . وعندما التقيته لأوَّل مرَّة بعد عودته في أواخر عام 2003، حدَّثني عن ظروف أسره وطريقة تعامل الإيرانيين معه ومع بقية الأسرى، وعن لقائه مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعد عودته من الأسر وقبل فترة وجيزة من الاحتلال الأمريكي للعراق، وعن انكبابه على دراسة اللغة الفارسية وآدابها، بحيث يمكن القول إن فترة أسره الطويلة التي امتدَّت تسعة عشر عاماً لم تذهب سُدى، بل حوَّل أسره إلى فرصة للارتفاع فوق الجراحات والعذابات.
ولا بدَّ لي هنا من ذكر بعض الأمور التي كشف عنها عمر شبلي في لقائي معه عام 2003. فقد أبلغني أن الإيرانيين عاملوا الأسرى غير العراقيين معاملة سيئة في الجبهة، لكن ضباط الاستخبارات لاحظوا مهارته القيادية وجرأته وصلابته ومجاهرته فأبقوه جانباً ووضعوه في السجن الانفرادي حيث بقي وحيداً عشر سنوات كاملة.
ولاحظت في الحديث معه أنه يُكثر من ذكر الأمثال الشعبية الإيرانية في معرض الكلام ويقولها بالفارسية ويترجم معناها بالعربية حين تتطابق مع حالات معيَّنة. وقال لي إنهم منعوا عنه الكتب في بداية السجن الانفرادي وسمحوا له فقط بالقرآن الكريم فعاد وقرأه عدَّة مرات متتالية، وبعدها سمحوا له بكتاب ” نهج البلاغة ” للإمام علي بن أبي طالب، فقرأه بتمعُّن وكتب حوله دراسة تعليقية من 700 صفحة. لكن ضابط الاستخبارات المسؤول عن المعتقل قبل إطلاق سراحه صادر منه تلك المخطوطة.
لكنني في ذلك اللقاء آثرت عدم الخوض معه في أي حديث عن صوابية أو عدم صوابية انخراطه في الحرب مع إيران، وعن تغييرها للأولويات القوميّة، خشية أن يُفسِّر ذلك على أنه تلميح مبطن مني بأنه أضاع شبابه الغض في تلك الحرب من غير طائل، فأخدش مشاعره وأحاسيسه ووجدانه المرهف. ولئلا يظن ولو للحظة واحدة أن قراري مغادرة لبنان هو نوعٌ من الهروب أو الفرار أحاول تبريره بمغالطة قراره الانخراط في حرب بعيدة. أو كما قال في قصيدةٍ له من سجن آراك الإيراني عام 1984 بعنوان ” وجعٌ في الصحراء” :
” الناس كل الناس يتَّهمون صدرك بالعناد
ويقول صدرك: إن هذي الأرضَ ضيّقةً
وينقصها امتداد”.
قبل أن أدخل في بعض الشؤون التي خضتها سويّاً مع عمر شبلي في النصف الأول من عام 1976، ومنها ما هو حسّاس ودقيق، أريد هنا أن أستعرض ومضات من ديوان عمر المتضمن لقصائد الأسر. فالملاحظة الأولى هي أن تلك القصائد مكتوبة بعد عام 1984، وأوَّلها من سجن آراك عام 1984. مما يعني أن الإيرانيين منعوه من الكتابة بشكلٍ أو بآخر خلال السنتين الأوليين. وهو يقول في حالته هذه إن الزمن في داخله كان ينهار، مترافقاً مع انهيار الزمن العربي في الخارج. داخل هذين الزمنين المنهارين، الداخلي والخارجي، يقول عمر شبلي إنه نسج لنفسه شرنقةً من الشعر فيها من قساوة هذين الزمنين، مخاطباً الزمان بقوله:
أيُّها “الآن” لماذا لست تمضي لم أعُد أقوى على حمل الزمان
وداخل تلك الشرنقة وزَّعَ عمر شبلي عقله وقلبه على الشعراء المناضلين بدءاً من الشاعر التركي ناظم حكمت الذي أهدى إليه قصيدة من سجن آراك في عام 1986 يقول فيها:
إن قطّاع الطريق يوزِّعون الأنبياء
الكاذبين اليوم عن روح السماء
لا تسجنوا الشعراء
إنَّ دموعهم ما ظلَّ من زيت الألوهة
في قناديل البشر
ومن سجن آراك أيضاً أهدى عام 1985 قصيدة إلى الشاعر الخالد أحمد بن الحسين
( المتنبّي ) بعنوان ” المُكاشفة ” يستذكر فيها قول المتنبّي في الأئمَّة الكذبة:
شيخٌ يرى الصلوات الخمس نافلةً ويستحلُّ دم الحُجّاج في الحَـرَمِ
فيُخاطبه بقوله:
أيُّها المكسور فـي كـلّ المرايا لُمَّ وجه الشرق عن حوض الذباب
يقول في القصيدة ذاتها:
ربما جاء من الأعراب
طيفٌ أو كتابٌ قُرمطي
أيُّها الأعراب لفّوا وجهه بالأقحوان
وبعد عرض لأحوال الانحلال في الأمّة حيث “ألف كافور على الدمنة ينمو كل يوم”، يقول للمتنبّي:
لا عليك يا شهيد الغضب المذبوح يا نسل الشياطين الجميلة
يا ابن أنثى النار، يا فرخ النسور المستحيلة
عاصفتك الريحُ فانهدَّت
ولم تُسلس لها يوماً زماما
كنت للريح وللنار إماما..
ومن سجن رينة في عام 1999 كتب قصيدة “من يوميّات البحر لكريستوف كولومبوس: محاولة أخيرة للتغلب على البحر”. لكنه من معتقله في قصر فيروزية بين الأعوام 1993 و 1996 كتب أجمل قصائد التمرُّد يمكن اختصارها بعنوان إحدى قصائده تلك وهو:” صراخ في كل الاتجاهات: حين لا تملك حق الصراخ يكون صراخك أقوى”.
وعلى الدوام من “آراك” إلى “كهريزك” مروراً بـ” قصر فيروزية” و “برندك” و “رينة” بقي البقاع ومنه على الخصوص الصويرة وجب جنين وزحلة في ضلوعه وثناياه، وظل لبنان في قلبه وخياله لم يحتجب عن فكره لحظة واحدة. ومن قصائده اللبنانية في الديوان:” أبعد من دير زنون”(إلى الشهيد سعد الخطيب الذي استشهد على أرض الجنوب، كتبها في آراك 1984)، “وجه لبيروت”(قصر فيروزية 1993)،”عرس في قانا الجليل”(قصر فيروزية 1996)،”سيمفونيّة الحياة والموت في جسدٍ مسلول”(إلى شاعر الظلال والألوان جبران خليل جبران،آراك 1985)،” خالدٌ قيسٌ وجب جنين ليلى”(برندك 1990)،” من أيام الملك السعيد”(إلى الصويرة وليالي شتائها الطويلة، آراك 1989)،”بقاعية”(إلى امرأة لا تملُّ النار جيرتها، آراك 1986، “الرسولة”(إلى زحلة وقرميدها المتكسِّر الحزين، إلى الشاعر الخالد فوزي المعلوف، آراك 1986)،” تؤلِّف ولا تؤلفان”( إلى عين الصويرة التي روت بدموعها عطش أرضنا، كهريزك 2000)، “وعد”(إني لأشم ريح وطني، دزبان مركز 1990)، “موت العاشقة”(إلى بيروت التي لا تموت، الداودية 1982).
من أجمل قصائد الديوان اثنتان: واحدة بعنوان “رؤيا من تراب” كتبها في “كهريزك” عام 2000، وثانية بعنوان “إلى محمد” كتبها في “رينة” عام 1999 يُخاطب فيها ابنه محمد الذي لم يعرفه، شارحاً له خياره باقتضاب مُستبِقاً ما يمكن أن يدور في رأس ابنه بقوله:” وتقول: ضيَّعني صغيراً ثمَّ حمّلني كبيراً همّه”. وفي القصيدتين المذكورتين ومضات إنسانية نابضة. ففي القصيدة الأولى يقول:
أعطى يسوعُ سماحاً للذين غووا فصار فيها يهوذا مثل معذور
كـان الصليبُ يُعاني مثل صاحبه فالحبُّ يمسحُ أحقاد المسامير
أمّا في قصيدته إلى ولده محمد فإنه لا يملك تبريراً سوى درب العناد على طريق غدٍ حُرٍّ وأفضل، فهو يقول لولده في المطلع:
من أينَ تُدركُ أنَّ مشكلة الحمامةِ نفس مشكلة العقابْ
لكنْ ستُنْبِئُكَ الطريقُ حقيقةً
أنَّ البراءةَ لا تكونُ بأن تكونَ على حيادْ
قَدَرٌ لهذي الأرض أن تمشي
إلى غَدِها على دمِها ، وتحترفُ العذابْ
ولذاك يا ولدي، قضيْنا عُمرنا بين الشظيَّةِ والضِمادْ
ثم يقول له في مقطعٍ آخر:
لا بُدَّ يا ولدي من الترجيحِ حين يكونُ
منديلُ الحبيبةِ في خَطرْ
إنْ لم تَعُدَّ القادمينَ إلى الجنوبِ
فسوفَ تُجبَرُ أن تعدَّ الهاربينَ إلى الشمالْ
ويختم بالقول:
ما كان والدُكَ المُغيَّبِ مرَّةً
عبداً لتلكَ الكيمياءِ المُستبدَّةِ بالملوكْ
تحويلُ كلّ الآخرين إلى عبيدْ
بلْ كانَ يحلُمُ أن يعودَ وفي
يديه هديَّةٌ، أو حكمةٌ
تحتاجَها يوماً على دربٍ عَنيدْ.
هذه باختصار صورة بالألوان عن عمر شبلي الشاعر والمناضل والمقاتل والإنسان كما رسمها بيده وعقله في معتقلاتٍ بعيدة.
************
(جزء من فصل) جيش مغبون في كيانٍ مهزوز!
… ذات يوم جاءني عمر شبلي في جب جنين وسألني أن أرافقه ليلاً لمقابلة الضابط أحمد الخطيب قائد جيش لبنان العربي للوقوف على ما عنده، مع العلم أنه لا عمر شبلي ولا أنا كنّا نعرف أحمد الخطيب من قبل، بل سمعنا باسمه لأوَّل مرّة في الصحف.
وسألتُ عمر عن مكان وجود الخطيب، فأبلغني أنه يقيم في منزل الصديق عمر حرب في بلدة المرج القريبة من الطريق الدولي إلى الشام، وهو صديق مشترك لي ولعمر. وفي منتصف تلك الليلة من ربيع عام 1976 توجَّهنا إلى منزل عمر حرب، وكان جميع من في البيت نياماً، فقرعنا الباب ففتحه عمر بنفسه مستغرباً، فقال له عمر شبلي إننا نريد مقابلة أحمد الخطيب، وكان نائماً هو الآخر، فدخل عمر حرب إلى غرفة الخطيب وأيقطه وأبلغه بوجودنا، فجاء إلينا في الصالون يرتدي ” روب دو شامبر” وسلَّم علينا وانسحب عمر حرب صاحب المنزل من الاجتماع، بعدما أبلغه عن هويتنا السياسية باعتبارنا من ” البعث العراقي” كما عرَّفه عنّا.
وبعدما جلسنا سويّاً، عمر شبلي بيني وبين أحمد الخطيب. فتح الخطيب الحديث موجِّهاً الكلام إلى عمر شبلي قائلاً:” أين أنتم؟ لماذا تأخَّرتم؟ إنني أبحث عنكم”، ويقصد بذلك أنه توّاق للتعاون مع العراقيين، لكنه لم تكن له صلة وصل معهم. وسأله عمر عن أحواله وماذا يريد، فقال له إنه يُعاني من نقص في كل شيء تقريباً، في رواتب جنوده، وفي تدريبهم وفي تسليحهم، وقال إنه بحاجة ماسة إلى تسليحٍ جيّد، ويأمل أن يُقدِّم له العراقيون السلاح المطلوب. فقال له عمر إن ذلك مستحيل من الناحية اللوجستية، وسأله كيف يتصوَّر أن يصله السلاح العراقي في حال إقرار ذلك، فتقدَّم بخطة لم أصدِّق أذني وأنا أسمعها منه. فقد قال جواباً عن السؤال كيف السبيل إلى نقل السلاح من العراق إليه:” أحتل مطار رياق وأنا قادر على ذلك، ثم تأتي طائرات عراقية محمَّلة بالسلاح وتفرغه في مطار رياق ليصبح في عهدتي”. نظر إلي عمر شبلي عندما سمع هذا الكلام نظرة غير مصدِّق لما يسمع، لكنه أبدى تحفُّظات على هذا النوع من المساعدة وقال له إنه سوف يبحث الأمر مع المسؤولين في الحزب، مُعلِّقاً على كلامه بشيءٍ من السخرية المُبطَّنة حيث قال له:” إن السيطرة على المطار ليس مشكلة، لكن كيف السيطرة على الأجواء؟”.
… وفي الساعة الثانية من بعد منتصف تلك الليلة غادرنا منزل عمر حرب في المرج. ولست أدري ماذا فعل عمر شبلي بعد ذلك اللقاء أو ماذا أبلغ قيادته عن ذلك الأجتماع.
**************

جميع الحقوق محفوظة 2015
themekiller.com